إلى حامي الدوحة العلوية , وحافظ الشعائر الإسلامية . والمجاهد في سبيل الله والدين ضد الكفار المعتدين الشيخ الجليل صالح العلي , لا زال مسربلاً بالعز والمجد آمين :
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ورضوانه وتحياته , جلت – سبحانه تعالى – صفاته ,وسمت آياته وعظمت قدرته ونعمته .
وبعد أيها الأخ الأمجد والسيد السند الأوحد لقد بلغنا أنكم أشعلتموها حرباً ضروساً ضد المعتدين الغاشمين أعداء الدنيا والدين وأن النصر كان حليفكم , والتوفيق رائدكم , وصدق الله العظيم ” أن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم ” ونحن نخوض هذا المعمعة مثلكم . ونقابل جحافل الأعداء , بإخوانكم في الله ونكبدهم الخسائر الفادحة , ونجعل أجسادهم طعاماً للغربان والحيتان , وصدق الله العظيم ” واقتلوا الكفار حيث ثقفتموهم ” . لما كانت غايتنا واحدة , وسبيلنا إلى الله واحدة . ونحن لا مطمع لنا إلا تحرير بلادنا وإجلاء الغاصبين أعداء الدنيا والدين عنها , فقد رأينا أن نتصل بكم لكي نتعاون معكم , ويشد بعضنا أزر بعض , وقد قال الله تعالى ” وتعانوا على البر والتقوى ولا تعانوا على الأثم والعدوان ” . وليست حربنا عدواناً وإنما هي لمنع الاعتداء , وقد قال تعالى ” وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ” وقد اعددنا لهم القوة برضى الله وتوفيقه وسوف ينالون جزاء ما كسبت أيديهم وما اكتسبت ” و لا يحيق المكر السيء إلا بأهله ” صدق الله العظيم .
وإننا أيها الأخ الأوحد والسيد السند مستعدون أن نمدكم بكل مساعدة . ولا نبتغي من وراء ذلك إلا مرضاة الله , ورفع راية الإسلام , ونرجو أن تكون صلاتنا معكم شخصية لا علاقة لأحد بها داخل بلادكم أو خارجها ، تمسكاً بقول سيد الأنبياء محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم : استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان . وهذا أوفق وأنجح و أصلح وأعم للفائدة المطلوبة , والغاية المنشودة . وقد أوفدنا لكم أربعة من خيرة ضباطنا , وكان لهم سبق أن حاربوا في بلادكم جيوش الحلفاء المعتدين , وخدم بعضهم فيها مدة طويلة ، فهم يعرفون طبيعة السكان , وطبيعة الأرض , فنرجو أن يكونوا عند حسن ظنكم وثقتكم , وأن تستشيروهم بالأمور العسكرية لكي يكونوا لكم عوناً بخبرتهم وحسن تجاربهم . واكتبوا لنا كل ما تحتاجونه وتريدون إطلاعنا عليه , ويجب أن تكون بيننا كلمة سر زيادة عن المكاتبة حتى لا يستطيع جواسيس الأعداء أن يستغلوا مكاتباتنا , ولا يغشوها أو يفسدوها , كلمة السر سوف يذكرها لكم مندوبونا لأنه لا يجوز أن تكتب على ورق , كما نرجو أن تعتمدوا من قبلكم شخصاً أميناً أو أشخاصاً أمناء تعطونهم كلمة السر كلما أوفدتموهم إلينا وربما اضطررنا إلى تغيير هذه الكلمة ونستبدل سواها من وقت إلى وقت .
إننا أيها المجاهد الكبير في سبيل الله , و الرجل المؤمن الصالح الطاهر لا نبتغي إلا مرضاة الله تعالى في حربنا ضد العدو المشترك , وفي اتصالاتنا معكم , والله ينصركم بنصره ويؤيدكم بتأييده , وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
من أخيكم بالإسلام مصطفى كمال
ظروف إرسال المكتوب :
عند انتهاء الحرب العالمية الأولى احتلت قوات الحلفاء معظم الأراضي المحتلة سابقاً من السلطنة العثمانية وبما فيها منطقة كيليكيا من شمال سوريا . جمع مصطفى كمال فلول جنود السلطنة العثمانية المهزومين وشكّل منهم جيشاً وبدأ يشن حملات عنيفة على القوات اليونانية والفرنسية , وعندما رأى مصطفى كمال أن هناك ثورة عنيفة في الجبال الغربية لسوريا وفي الساحل السوري بقيادة الشيخ صالح العلي – الذي قاد ثورته الاولى قبلاً ضد العثمانيين ابتداءً من بداية القرن – وأن القتال مُحتدم بين هذا الأخير وبين القوات الفرنسية , أراد أن يُساعد على إذكاء نار الثورة حتى تُجمّد قسماً كبيراً من القوى الفرنسية وتُشغلها عن إمداد القوى المحاربة في الأناضول فقرر ذلك وبعث هذه الرسالة.
عند وصول رسل مصطفى كمال مع الرسالة أستقبلهم الشيخ بالترحاب وأحسن معاملتهم , ورأى أن يُُخبر الحكومة السورية في دمشق والملك فيصل برسالة مصطفى كمال ويتداول بأمرها معهم دون أن يعرف رسل هذا الأخير شيئاً عن ذلك , وفي اليوم التالي كان رسول الشيخ إلى دمشق يحمل صورة عن رسالة القائد التركي إلى الملك فيصل .
وكان الشيخ يشغل الضباط الأتراك خلال هذه الفترة بحفاوته وترحابه ويتنقل بهم في مناطق الثورة.
عاد الرسول يحمل رسالة من الملك فيصل إلى الشيخ, وفيها تحبيذ الاتصال مع مصطفى كمال , وأخذ مساعدات عسكرية منه , على أن يكون ذلك كله عن طريق دمشق , وبواسطة الحكومة السورية , حتى لا يُخيّل لمصطفى كمال أن الثورة في الساحل السوري تعمل مستقلة عن دمشق .
وتم إبقاء الضباط الأتراك في الثورة وأضيفوا إلى أركان حرب الشيخ صالح وتم إخفاء الأمور الهامة عنهم ,حتى لا يتمكنوا من الاطلاع عليها . مثل معرفة كميات السلاح والذخيرة , ومصادرها , وعدد المجاهدين بالضبط , والجهات التي يتدفقون منها , ومواقع الاستحكامات الهامة وغيرها من الأمور المهمة .
كان الضباط الأربعة يُصرّون على معرفة الكثير من هذه الأمور , وكانوا يُدونون في ملفاتهم الخاصة كل ما يُمكن جمعه منها .
وكتب الشيخ جواباً لمصطفى كمال على رسالته , وأراد أن يُوفد رسولاً خاصاً لحمل تلك الرسالة . ولكنه أراد أن يُطلع عليها الضباط الأتراك قبل إرسالها , وكانت الرسالة تحوي : …. عبارات شكر وتقدير . واستعداد لبذل الجهود اللازمة في رد المعتدين . وإيجاد تعاون مشترك مع المخلصين جميعاً من أجل هذه الغاية . ونوّه الشيخ برسالته الجوابية أن الأوفق والأصلح أن يكون اتصال القائد التركي بالحكومة السورية في دمشق , لأن هذه الحكومة هي المسؤولة عن الصلات الخارجية للثورة .
ولما اطلع الضباط الأتراك على رسالة الشيخ تشاورا فيما بينهم ثم قرروا أن يحملوا هذه الرسالة بأنفسهم إلى مصطفى كمال , ورجع الضباط الأتراك إلى تركيا , على أن يعودوا . لكنهم لم يعودوا . ولم يصل من مصطفى كمال أي خبر بعد هذا .
وازدادت الحرب عنفاً وشدة بين الجيش التركي الذي تزايد عدداً وعدة , وبين القوات الفرنسية ” الحلفاء “ حيث كانت الحكومة الفرنسية تطلب من الحكومة السورية ومن الملك فيصل السماح لجيوشها بالانتقال عبر الأراضي السورية بواسطة خط الحديد رياق – حلب لإعانة القوات الفرنسية المرابطة في كيليكيا أو في الأناضول . وكان مصطفى كمال يطلب بإلحاح من الحكومة السورية والملك فيصل عدم السماح للقوات الفرنسية باستخدام هذا الخط , حتى لا تستطيع فرنسا إرسال الإمدادات والمعونات للجيش الفرنسي الذي يُحارب الجيش التركي , ويتعهد مصطفى كمال بتقديم كل معونة للحكومة السورية في نضالها ضد الفرنسيين .
ووقفت الحكومة السورية موقفها المعروف ومنعت القوات الفرنسية من الانتقال عبر الخط الحديدي إلى الحدود التركية وكان هذا المنع في طليعة الأسباب التي دفعت غورو لاحتلال دمشق . وكان طلب السماح باستعمال خط حديد رياق – حلب من أول شروط غورو للحكومة السورية في إنذاره الشهير لها .
وبعد ذلك تنكر مصطفى كمال لوعوده للحكومة السورية بالمساعدة في حال منعت الفرنسيين من استخدام خط الحديد المذكور واتسم موقفه باللامبالاة , إلى أن بدأ تعاون مصلحي فرنسي – تركي توّج رويداً ورويداً وتدريجياً – عبر معاهدات متتابعة – بإعطاء الفرنسيين – الحلفاء – قسم كبير من الأراضي السورية ” كيليكيا والجزيرة العليا وديار بكر وعينتاب وأضنه ومرسين ولواء اسكندرون وبمساحة تقارب 189,000 لكم مائة وتسع وثمانون ألف كيلو متر مربع ,هذه المساحة تزيد عن مساحة سوريا الحالية أربعة ألاف كيلو متر ” إلى تركيا في لعبة صراع مصالح الأمم وكانت سوريا والعالم العربي الحلقة الأضعف في ذلك . طبعاً لم يكن مُجدياً تذكير الفرنسيين وبقية الحلفاء بوعودهم واتفاقاتهم مع الشريف حسين وغيره من السوريين والعرب بخصوص الحدود الشمالية لسوريا .
المصدر : المكتوب كما ورد في كتاب النائب الأسبق في البرلمان السوري الدكتور عبد اللطيف اليونس . صافيتا .” ثورة الشيخ صالح العلي ” الصادر عن وزارة الثقافة والإرشاد القومي السورية الصادر في سنة 1947 طبعة أولى ,الذي أرّخ لثورة الشيخ صالح العلي .والوقائع كما تقاطعت بين الكتاب ومصادر أخرى من بينها أحاديث متعددة مع أمي حفيظة الشيخ صالح العلي , ومع أبي الشيخ محمد عيسى آل الشيخ إبراهيم .
عيسى ابراهيم

