سَعَت سنديان منذ انطلاقتها للتوجه لأهل الساحل بخطابٍ ينسجم مع الخلفيات الأيديولوجية الموجودة لديهم علّها تستطيع أن تؤثر في جملة القناعات الّتي يرى محرّرو المجلة أنّها ستسوق بهم و بالوطن ككل إلى هاويةٍ مظلمة. في الإطار السابق عملنا على الانطلاق من بيئتنا وتحديد الفئات الّتي من الممكن
أن تستجيب لدعواتنا بالنقاش والتفكير بعيداً عن القطيع، ميّزنا بين فئات مختلفة في «المجتمع المؤيد» تتدرّج في تطرفها من «الشبيح الفاعل» وصولاً لأشخاصٍ كان جلّ موقفهم في البداية مبنياً على تضليلٍ مورس عليهم من قبل السلطة ولم ينجح الإعلام الآخر في إظهار الصورة الحقيقية لهم. نحاول في هذه المادة تبويب بعض الخلفيات الّتي تقف وراء الموقف السياسي المؤيد لمعظم أبناء الساحل السّوري
هذا ما وجدنا عليه آباءنا:
افترق الساحل كلياً عن «الحالة العامة» الّتي تعيشها سوريا؛ فقد شهدت السنتان الماضيتان انفتاح أذهان الشباب بعد انغلاق قسري طويل على مفاهيم سياسية جديدة ينقسم حولها بين مؤيد ومعارضٍ لأيديولوجيات مختلفة (إسلامية/علمانية)، (الكفاح المسلّح/الكفاح السلمي)، (القومية العربية/الانتماء السوري/الانتماء الإسلامي)، لتصبح الهوية السياسية ضرورةً ملحةً وجزءاً أساسياً في التكوين العام لهوية الفرد في المناطق الثائرة، ربما لم يختر الأهالي في كثير من المناطق هذا الانفتاح السياسي، فقد فرضت أحداث الثورة المتسارعة نفسها على الموقف من تعاظم التظاهرات في مدنهم في بداية الثورة، وحتى تحوّلهم لطرف يقاتل قوات النظام كعدوٍّ يبتغي «احتلال» أرضهم. في هذه الأثناء واصلت الأجواء العامة في الساحل هدوءها «الأسدي» الّذي لا تقطعه إلا مهرجانات التصفيق للرموز الحزبية و«الوطنية» السورية منها والشقيقة والّتي تتاجر بهم وبدماء أبنائهم لمصلحة الطغمة الحاكمة.
بالرغم من قوافل الشهداء الّتي تصل للساحل وكلّ هذا الضجيج في كل مكان من الوطن لم يشعر الكثير من المؤيدين اليوم بنفسه مضطراً لتكوين هويّة سياسية حقيقيّة، ووجد أنّه من المريح له الاستمرار بتبنّي الموقف السياسي السائد في «التأييد الأعمى». لا تجد مثل هؤلاء مهتماً بالنقاش السياسي أصلاً، أو حتّى بمتابعة آخر الأخبار العامة، بل تجده منشغلاً بمحاولة إكمال حياته «الطبيعية» كما كانت قبل الثورة، بكل ما يعنيه ذلك من تخلٍّ عن المسؤولية تجاه الوطن بشكل عام، وحتّى تجاه أهلهم الّذين يقضون كلّ يومٍ بسبب عدم اكتراثهم بالشأن العام.
الطائفة أولاً:
تلك حقيقةٌ لابد من الإقرار بها والإضاءة عليها، لا تهتم شريحةٌ من المؤيدين أصلاً بأحقية السلطة في الحكم، أو بفقدها لشرعيتها أو بارتكابها لجرائم ضدّ شعبها أو حتّى بفشلها على مستوى حفظ مستقبل البلاد، كلّ ما يهمّ في هذه السلطة هي «هويتها المذهبيّة» الّتي يتغنون بها في الخفاء، و يتهمون كلّ الثوار بأنّهم طائفيون ثاروا ضدّ حكم بشار الأسد لأنّه «علوي» في العلن. هؤلاء لا يستطيعون رؤية سبب للثورة على هذا النظام إلا اختلاف مذهب رئيسه عن مذهب معظم الثوار؛ تفكيرٌ نابعٌ عن سبب التفافهم حول هذا النظام في اتفاقهم معه بالمذهب.
يذهب هؤلاء إلى أنّ حكم بشار الأسد هو الحكم الوحيد الّذي سينجي العلويين من المذبحة الّتي تحضّر لهم منذ مئات السنين، بل يزداد بعضهم غلواً ليسبغ على عائلة الأسد صبغةً دينيةً تجعل من الأسدين «مشايخاً» (قدّست أسرارهم) وتنبأت بمجيئهم كمخلصين كتبٌ دينية قديمة! لم يكن هناك من مجال للنقاش مع هؤلاء منذ البداية، ولم يكن إثبات حُسن نية الثوار أو أحقية الشعب السّوري بالثورة ذو أهميةٍ تذكر لديهم. يُستَخدَمُ المنضوون تحت هذه الفئة كرأس حربة في ميليشيات النظام، فمن السهل تجنيدهم «ليدافعوا عن الطائفة» من خلال قتل «أهل السّنة» ممن سيعملون على إبادتهم إذا ما انتصرت الثورة.
من المؤسف جداً أنّ الكثير من النقاشات السياسية في السّاحل هنا، تنتهي باكتشاف أنّ الطرف المؤيد يحاول تقنيع «طيشه الطائفي البحت» بحجج سياسية واهية سرعان ما تسقط ليقول لك: «الطائفة أولاً!».
المؤامرة الكونية على النظام الممانع:
بالرغم من أنّ الإعلام الرسمي والصفحات المؤيدة على مواقع التواصل الاجتماعي تُظهر لمتابعيها أنّ المؤيدين مصطفون صفاً واحداً في مواجهة المؤامرة الكونية ضدّ حكم الأسد الديموقراطي العلماني الممانع، إلا أنّ حقيقة الأرض مختلفةٌ تماماً عن هذا الطرح.
قليلون جداً هم أولئك الّذين مازالوا يعتقدون بداخلهم بأنّ ما حدث قد حدث بسبب «المؤامرة»، ربما يتفق الجميع على وجود استغلال دولي لما يحدث في سوريا –وهذا محق- ولكنّ الهراء المؤامراتي الّذي تسمعه على قناة (سما) لم يعد رائجاً كثيراً هنا اليوم على عكس الأشهر الأولى للثورة.
تسمع كثيراً أنّ «فلسطين هي البوصلة»، وبأنّ الديكتاتورية الملتزمة بقضايا الأمّة أفضل من الديموقراطية والحريّة الّتي تبيع هذه القضايا للغرب وتكون جزءاً من المخطط الخارجي للإطاحة بسوريا: قلعة الصمود والتحدّي. يصرُّ هؤلاء على الإشاحة بوجوههم عن كل الإشكاليات الّتي أظهرتها أشهر الثورة في «نظرية الممانعة» كما يصرون على اعتبار كل معارك قوات النظام ضدّ الشعب، حالةً من الممانعة «غير المباشرة» عن طريق ضرب أذرع العدو في الداخل. معظم هذه الأيديولوجية مستمد من الفكر البعثي «القائد» الّذي مهّد الطريق ليسمح لنفسه باعتبار كل مناوئ سياسي «ذراعاً خائناً» يجب بتره.
ربما تكون دعامة المؤامرة لوحدها غير كافيةٍ لدعم «الرأي المؤيد» عند صاحبه، فغالباً ما ينضوي أيضاً تحت فئةٍ أخرى، أو يقنّع «طائفيته» أو «عدم اكتراثه» بنظرية متوافرة و سهلةٍ وجاهزة هي «المؤامرة الكونية»، لتجده ملماً و بشكل واسع بكل ما يجري في سفارات الدول وفنادق الخمس نجوم حول العالم –مصدر العلّة و الإشكال- في حين يعتبر أنّ ما حدث ويحدث على بعد عدّة كيلومترات منه في ذات البلد أو حتّى المحافظة أمراً ثانوياً لا علاقة له بالأزمة!.
الخوف/ الإسلاموفوبيا:
أولئك الّذين يكون الخوف مانعهم الحقيقي الوحيد من الانضمام للثورة غالباً ما ينكفئون على أنفسهم ويبتعدون عن الأجواء التشبيحية طالما كان ذلك ممكناً وآمناً. للخوف هنا نوعان: خوفٌ من القادم، وخوفٌ من الطاغية.
استطاع النظام خلال سنوات حكمه ترسيخ «الخوف العلوي» من الأكثرية المذهبية الموجودة في البلد، كما ساهمت المآلات الّتي آلت إليها الثورة بعد شهور من انطلاقها إلى تعميق هذا الخوف في نفوس هذه الفئة بما طرحه بعض المتطرفون من دعوات للإبادة أو التهميش مما أعاد بشبح (الإسلام المتطرّف) إلى الواجهة ليس فقط في نفوس أهل الساحل، بل في نفوسٍ كثيرة على امتداد الوطن. حاولت أطياف عديدة في الثورة مدّ يد الإلفة والثقة لهذه الفئة من خلال تطمينات عديدة، ولكنّ تصاعد العنف والغريزة المتأصلة في النفوس كانت أقوى على ما يبدو، مما أدّى إلى ثبات أغلب الخائفين على خوفهم. كان التحدّي الحقيقي مع هذه الفئة هي محاولة إقناعهم بأنّ وقوفهم مكتوفي الأيدي هو أكثر ما يجعل هذه المخاوف أقرب للتحقيق. وهنا لابدّ من التنويه أنّه ربما كان من المستحيل أو حتّى من غير المنطقي أن يقوم هذا الشعب الثائر الّذي يتلقى نيران الطاغية من جميع الجهات بطمأنة هذه الفئة وتفصيل ثورةٍ على مقاس «مخاوفها» وتوجهاتها العقائديّة حتّى تفكّر بالمشاركة فيها!.
أمّا الخوف الآخر فهو الخوف من النظام؛ وهو خوفٌ ليس بالجديد، تميّزت المناطق الأخرى بكسر حاجزه فيما تمنّع كثيرون هنا من الإقدام على هذه الخطوة لغلاء ثمنها، ولأنّهم شاهدوا بأم عينهم وحشيّة النظام في التعامل مع مناهضيه. يعلّل هؤلاء صمتهم بغياب البيئة الحاضنة الّتي ربما كان من الممكن أن تُخلَق كما خُلِقَت في مناطق أخرى منذ الأيام الأولى للثورة، وهنا أسهمت العوامل الأخرى الّتي نتحدث عنها في جعل انطلاق «حراك مبكر» و «بيئة حاضنة» في الساحل أمراً مستبعداً.
لا حول لنا ولا قوة/ بين المطرقة و السندان:
غالباً ما يَستتِرُ الخوف بحجّة أنْ «لا حول لنا ولا قوة» فلما الانتحار ونحن محكومون بقدرٍ مظلم سواء وقفنا مع النّظام أو مع الثورة. يُعفي كثيرون في الساحل أنفسهم من مسؤولية اتخاذ موقف مما يحدث متذرعين بهذه الحجّة، فالنظام يستخدمهم في حربه وهم أكثر الناس معرفةً بخبثه، والثورة تلفظهم فلا مكان لهم فيها.
تأمّل الكثير من الثوار أن تحسم الأمور في الساحل بتخلي أهله عن النظام وتركه عارياً أمام شعبه ككل، و لكنّ الأمر لم يكن بهذه البساطة، فحتّى الآن يساق الآلاف من شباب الساحل إلى قدرهم بالموت في صفوف الجيش كعسكريين واحتياطيين دون أن يثمر هذا الموت المجاني عن أي تحرّك فعلي يؤمن بأن لهؤلاء الناس «حولٌ وقوة وقيمة».
نَحنُ النّظام:
شأنه شأن بقيّة المناطق السوريّة، توجد في الساحل إقطاعيات سياسية واقتصادية تحالفت عضوياً مع النّظام وأصبحت جزءاً منه وجلّها من عائلة وأقارب الأسدين الأب والابن. تدرك هذه الإقطاعيات بأنّ وجودها مرهون ببقاء النظام وأنّ السيناريو الآخر سيعني زوالها، لذلك فدفاعها عن النظام «دفاع عن النفس».
هذا الأمر لا ينطبق حكماً على السواد الأعظم من الأسر الساحلية الّتي انخرط أبناؤها في الجيش أو قوات الأمن، فهؤلاء ليسوا أكثر من بيادق تنشرها الأسرة الحاكمة حولها لحمايتها. هؤلاء ضحايا لنظام فاشيّ يتوهم بعضهم أنّهم جزءٌ منه.
حقيقةً فإنّه من الصعب جداً رسم تفاصيل الصورة الكاملة للخلفيات الّتي تسوق الموقف السياسي لأهل الساحل خاصةً بعد سنتين من الثورة والصراع المسلّح الّذي كان لنتائجه الكارثية في الوطن عموماً وفي الساحل خصوصاً الأثر الأكبر في جعل معظم المواقف مبنيةً على ردّات الفعل والأحقاد ودعوات الانتقام والتجييش أكثر منها على خلفيات أيديولوجية مرتبة بشكل منطقي وواضح.
المصدر : مجلة ” سنديان ”
https://www.facebook.com/Sendian.Mag

