تختلف الطائفة العلوية عن بقية طوائف سوريا بعدم وجود بنية تنظيمية مشابهة للبنى التنظيمية المميزة للمستوى المؤسساتي للأديان الحديثة. هذا الأمر يجعل تناول المشيخة العلوية بالبحث والتمحيص أمراً صعباً وشائكاً إضافةً إلى الحساسية الكبيرة -الاجتماعية والثقافية- الّتي يثيرها تناول هذا الشأن في مرحلة كالمرحلة الّتي يمر بها المجتمع السّوري حالياً.
إضاءات على المؤسسة الدينية العلوية:
لا توجد مؤسسة دينية ذات بنية واضحة للطائفة العلوية بخلاف غيرها من الطوائف السورية كالموحدين الدروز(مشيخة العقل) أو الطائفة الإسماعيلية (المجالس الإسماعيلية) أو الكنائس المسيحية والقائمين عليها. هناك تفسيرات متعددة في هذا الشأن ومنها، الظروف التاريخية التي مرت بها الطائفة، أي عدم وجود «دولة» أو أي «كيان سياسي» يعرف عن نفسه بأنه «علوي» عبر التاريخ. إضافة للاضطهاد المستمر، خاصةً في فترة الاحتلال العثماني، والذي حال دون إمكانية تنظيم وإشهار مثل هكذا مؤسسة. أما حديثاً، أي بعد نزول العلويين من جبالهم إلى المدن، فالتفسير الأرجح لعدم وجود حد أدنى من المؤسساتية أو الهيكلية في الطائفة هو منع النظام وإجهاضه لمحاولات قليلة لذلك وذلك لحرصه على عدم استقلال الطائفة عنه والحفاظ على مصيرها معلقاً بيده ليتمكن من استغلالها حتّى اللحظة الأخيرة.
أدّى غياب «المؤسسة» أو «الهيكلية» إلى وجود «تجمعات» من رجال الدين تأخذ طابعاً محلياً في كل منطقة أو مجموعة قرى في الساحل، وبقي دورها محصوراً في إحياء الشعائر الدينية ونشر العقيدة بين أبناء الطائفة. كما بقيت ارتباطاتها ببقية التجمعات المحلية في المناطق الأخرى محصورةً بالمعرفة الشخصية بين عموم رجال الدين دون أن يكون لذلك الارتباط أي صفة دينية رسمية أو أي تسلسل هرمي.
كما ساعد غياب البنية الواضحة والضوابط المنظمة «للمشيَخَة»، خاصةً في العقود الأخيرة من تاريخ الطائفة، على وصول الكثير من المتسلقين الانتهازيين إلى سدّة «المشيخة» مدفوعين بالجشع أو الرغبة بتحصيل بعض النفوذ المحلّي. الكثير من هؤلاء تخرجوا من مدرسة الأسد الأمنية (ضباط وعناصر متقاعدين) وساهموا بالترويج للأسد كـ«ممثل شرعي ووحيد» للطائفة، أو حتّى كولي من أولياء اللّه الصالحين! حقيقةً فإنّ هذا المشروع الأسدي لم يكن مقتصراً على الطائفة العلوية بل حرص النظام على تمكين وجوده من خلال شراء الكثير من القيادات الطائفية والعشائرية في عموم سوريا.
إنّ رسم معالم صورة التنظيم الديني داخل الطائفة يحتاج لدراسات معمّقة تركّز على هذا الجانب في سياق تاريخ وفكر وحياة الطائفة، الأمر الّذي لا نسعى إليه في هذا المقال. ولكن يمكن القول دون تردد أن رجال الدين العلويين اليوم هم غيرهم بالأمس، سواء لجهة المستوى المعرفي والتقوى والورع والزهد..الخ؛ أو لجهة الانتماء السلالي. حيث كانت صفة رجل الدين العلوي تتبع أسراً بعينها ترث «المشيخة» عن سلفها، وتورثها لخلفها، حتى أحدث النظام ثورته التأميمية الصامتة، بضرب هذا الاحتكار. طبعاً ليس بهدف تغيير إصلاحي من أي نوع بل لتشديد قبضته على الطائفة، و ضمان خرَسها التام، وولائها الكامل.
الصراع المذهبي ومشايخ الفتنة:
يعمد البعض إلى تصوير مشايخ الطائفة كمحرّضٍ أساسي على قتلٍ مبني على العقيدة وكمحرّك أساسي يدفع بالشباب للقتال في صف الأسد لمحاربة «الأعداء» من السّنة. في الوقت الّذي لا يمكن فيه تبرئة جميع مشايخ الطائفة من التحريض والمقامرة بمصير الطائفة لصالح الطغمة الحاكمة الّذين عمل بعضهم لصالحها لسنوات طويلة، إلا أنّ الحقيقة مخالفة لذلك إلى حدّ بعيد.
بعكس بقيّة الجماعات الدينية في سوريا فإنّ دور رجال الدين كقادة للرأي –وبالرغم من تناميه في الفترة الأخيرة- يبقى أقلّ تأثيراً في «المجتمع العلوي» منه في أي مجتمع ديني آخر في سوريا، حتّى أنّ هناك اتجاهاً شائعاً لدى العلويين يأخذ على المسلمين السّنة اتباعهم الأعمى لفتاوي مشايخهم، ويقرن ذلك، بداعي الفخر، بعدم وجود هذا الانقياد والتأثر باتجاهات المشايخ لدى أبناء الطائفة العلوية.
يعدّ ظهور الشيخ غزال مع عناصر «المقاومة السورية» أمراً جديداً لم يلجأ له النظام في الثمانينات مثلاً، فبالرغم من تشكيله لميليشيات مشابهة في تلك الفترة، إلا أنّه لم يعتمد على رجال الدين بهذا الشكل الصريح. ولكن، بالرغم من وجود «مشايخ فتنة» و»فكر أصولي» بين أبناء الطائفة فإنّه من المجحف وغير الموضوعي تصوير جميع أبناء الطائفة كمقاتلين عقائديين مدفوعين بعصبياتهم وإهمال بقية عناصر صورة الوضع الحالي في سوريا الّتي دفعت الكثير من «غير المؤمنين» فيهم إلى حلبة الصراع.
هل من دور إيجابي لمشايخ الطائفة:
على عكس ما يتوقع الكثيرون، فحتّى أولئك المشايخ أصحاب الوزن الّذين لم يرتبطوا يوماً بالنظام أو الّذين يمقتونه لا يملكون الحصانة للإدلاء بأيّة تصريحات لا تنسجم مع رغبات النظام دون خضوعهم للملاحقة شأنهم في ذلك شأن أيّ مواطن سوري آخر في سوريا الأسد. لذلك، غالباً ما يكتفي هؤلاء المشايخ «الرافضون» بالصمت حفاظاً على كرامتهم الشخصية. ناهيك عن عدم وجود مفاهيم «الفتوى» أو «الإرشاد» بالمعنى المتعارف عليها في بقية الطوائف.
كل ذلك لا يعفي مشايخ الطائفة، بصفتهم مواطنين سوريين أولاً وقادة رأي (افتراضياً) في المجتمع ثانياً، من واجبهم الأخلاقي تجاه من يدّعون الحرص عليهم من أبناء الطائفة. بالرغم من بعض البيانات أو الأفعال المتفرقة لبعض المشايخ ممن دعوا إلى تحكيم العقل وعدم الإنجرار للاقتتال، إلا أنّه من الواضح، وفي ظل الحقائق المساقة في هذا المقال، أنّ مشايخ الطائفة -وبغضّ النظر عن خوفهم من النظام أو عدمه- لا يمكن لهم في تقديرنا القيام بأي دور إيجابي، أقلّه اليوم، لعدم امتلاكهم القدرة على التأثير. الطائفة العلوية لا تمتلك رؤوساً دينية أو سياسية والموقف الطائفي الحالي للعلوي ناتج في غالبه عن خوف محض أكثر منه عن عقيدة دينية تجاه السنة حتى يمكننا التعويل على المشايخ لتغييره.
العلويون كأفراد كانوا متنوعين سياسياً قبل الثورة أكثر من أي طائفة أخرى ربما، في البيت الواحد كان هناك البعثي والقومي والشيوعي، وهؤلاء سيعودون غالباً إلى هذه الانتماءات وليس لأي انتماء طائفي علوي جامع في حال عودة الحياة السياسية إلى سوريا يوماً ما.
| من أوراق الأقليات | العدد 17 كانون الأول 2013 من مجلة سنديان ع الرابط https://www.facebook.com/Sendian.Mag

