الكاتب والطبيب السوري راتب شعبو: سجين سوريا السياسي ميت حتى إشعار آخر
يعتبر الكاتب والطبيب راتب شعبو واحداً من الكتّاب والمثقّفين السوريين المعارضين، الذين دفعوا ثمناً باهظاً لمواقفهم الفكرية والسياسية. لقد اعتقل وسجن وعُذِّب، وقضى في السجون السورية أعواماً طويلة بلغت ست عشرة سنة وثلاثة أيام، وخرج من السجن ليواصل نضاله بالكلمة والفكر، ومع اندلاع
الثورة السورية التحق بها فكريّاً. وعبّر عنها بالكتابة والموقف، وعندما تأسّست «رابطة الكتّاب السوريين» مطلع العام الماضي، انضمّ إليها، وكان أحد الأصوات التي دعت إلى المساهمة في تأسيس روابط ومؤسّسات جديدة، تنتمي للمجتمع المدني الذي اشتعلت الثورة السورية لأجل إقامته على أنقاض الديكتاتورية. مؤخّراً، فاز الكاتب بجائزة دمشق لأدب اليوميّات التي تمنحها «مؤسّسة دمشق للدراسات والنشر»، عن كتاب يوميّاته الذي وضعه في السجن تحت عنوان «رزنامة المسجون ـ سيرة سورية». والكتاب سيصدر قريباً في لندن، وسنتطرق إليه في هذا الحوار.
«المشاهد السياسي» ـ لندن
> أبدأ معك من دراستك المتعلّقة بالمجتمع العربي المسلم في صدر الإسلام في الجزيرة العربية، كيف تعرّف دراستك في خلاصة مفيدة للـقرّاء؟
< تتناول الدراسة الجانب الدنيوي من حركة الدعوة الإسلامية الأولى، وليس في موضوعها الجانب الديني بمعنى حصري أو أساسي؛ فقد كانت هذه الحركة محكومة لقوانين الواقع في سياق تطوّرها، ولم تكن حركة معجزات. وحتى إذا كان ثمّة إرادة متعالية ومفارقة وراء هذه الحركة، لمن يريد، فإن هذه الارادة تحقّقت وفاق قوانين الواقع وليس خرقاً لها. وعندما خاطب الله الناس خاطبهم بلغةٍ محدّدة لها قواعدها «البشرية»، أي بلغة «دنيويّة» مفهومة. وكذلك حين أنفّذ الدعوة إنما أنفّذها في حدود، وضمن إطار القوانين الطبيعية القابلة للفهم. لذلك يحق لنا دراستها وفق قوانين العقل البشري، واستخلاص ما تنطوي عليه من دروس، من دون تجاوز أو انتهاك أي معتقد ديني، لا بل إن في مثل هذه الدراسة التي يتطلّبها العقل، تماشياً مع البعد الديني في الدعوة التي كثيراً ما تخاطب العقل وتستفزّه وتدعوه إلى التبصّر والتفكير.
> حدّثني عن تجربتك في كتابك يوميّات سوريّة: متى كتبت أجزاءه؟ وهل كتبت بعضه خلال السجن أم بعده؟
< بعد خروجي من ماراتون السجن (16 سنة وثلاثة أيام)، كان آخرها ثلاث سنوات ونصف السنة وعشرة أيام في سجن تدمر سيّئ الذكر، لفت نظري أن الناس يتحاشون سؤالي عن السجن، وإذا ألحّ الفضول على أحدهم كان يسألني ويعبّر عن أسفه مسبقاً، لأنه يهيّج بذلك أشجاني أو يحرّك مواجعي؛ غير أنني كنت أستمتع بقصّ تجربتي في السجن، ولم أكن أشعر في استعادتها عندما أرويها بأي ألم، بل على العكس كنت أشعر بمتعة ما، قد تكون متعة من نجا من تجربة قاسية، أو من قطع مفازة (المفازة اسم يطلق على الصحراء، لأن من يتجاوزها حيّاً، فإنه قد فاز بحياته، ومن هنا سمّيت مفازة، وهذا اسم يناسب جداً السجن السياسي في سورية)، ويتحدّث عنها بالفعل الماضي.
ليس في مذكّراتي أي كلمة مكتوبة داخل السجن، كل ما فيه مكتوب بعد سنوات من الإفراج عنّي. بدأت الكتابة عن السجن بعدما انتهيت من العبء الدراسي الكبير الذي حملته على عاتقي حال خروجي، وهو أن أنهي دراستي في كلّيّة الطبّ كأولويّة، ولا سيما أن رئيس فرع الأمن السياسي في دمشق، كان قد تعهّد لي، وأنا في غمرة عذابات التحقيق، واضعاً يديه على شفته العليا حيث يوجد الشاربان، وقد كان هو بلا شاربين، بأنه سيحرمني من أن أصبح طبيباً في يوم من الأيام. وقد كان إصراري على التخرّج، نوعاً من التحدّي وإثبات الذات على عكس إرادة الجلاّد.
كانت كتابة مذكّراتي عن السجن أجمل ساعاتي اليومية، رغم أنني بكيت كثيراً أثناء الكتابة، غير أنني كنت كمن يفرغ دمّلاً من الألم. نقل التجربة بصدق واجب وحقّ في الوقت ذاته. والتزمت طوال فترة كتابتي عن السجن، أن أعتمد على ذاكرتي، من دون أن أي تحريض أو تذكير من أصدقائي الذين شاركوني التجربة في حلوها ومرّها.
> ما الرسالة التي يتضمّنها الكتاب؟ ما العبرة؟ هل من فكرة أو أفكار محدّدة يتوجّه بها المسجون الى الأحرار، أم هي وقفة مع جزء صعب من تاريخ شخصي؟ كيف تقيّم تجربة السجن السياسي في سورية وكيف تقرأها؟
< الحقيقة هي أنني لم أكتب مذكّراتي عن السجن لأنقل رسالة، على الأقلّ لم يكن هذا في وعيي. كتبت كي أرتاح، وكنت أرتاح كلّما شعرت بأنني نقلت تجربتي بالشحنة التي كانت تعتمل في داخلي. وما كنت حريصاً عليه في المقام الأول هو الصدق. السجن المديد يعرّيك من «سياستك» وتتحوّل فترة السجن إلى مواجهة مباشرة بين إنسان وسجن. قد لا يصحّ هذا الكلام مع سجناء لهم حظ من الشهرة، أو المواقع السياسية والاهتمام الإعلامي، فهؤلاء تبقى «سياستهم» حاضرة وتشكّل نوعاً من الوسيط بين «إنسانيّتهم» وسجنهم. لكننا كنا سجناء مهملين ومتروكين وكانت إنسانيّتنا (أقصد بشريّتنا أو طبيعتنا كبشر)، على تماسّ مباشر مع جدران المهاجع والزنازين. من جهتي لم أكن بطلاً في أي لحظة. لكننا، على وجه العموم ومعاً، رسمنا في وجدان سورية خـطّـاً عالياً يجمّل تاريخها وينقذه من الرثّة والتهرّؤ.
أنا المسجون كنت أكتب بمتعة، وفي ذهني أهلي السوريون بالدرجة الأولى.. أكتب لهم لأشكو ولأفيد ولأسلّي ربّـما.. أكتب لهم كأنني أكتب رسالة إلى صديق.. أكتب وأنا متّكئ على نسيج أتخيّله من الودّ والانتماء الواحد، والتضامن الخفي ضد فئة تسرق أرزاقنا وأفراحنا وأعمارنا.. أكتب وأنا أتنفّس دفء التعاطف والشعور المشترك بالمأساة. بالفعل كان ذلك جزءاً قاسياً من حياتي وحياة أصدقائي الذين شاركتهم وشاركوني معنى السجن المغلق الآفاق، وكانت الكتابة سبيلي إلى التحرّر، أو إلى شيء من التحرّر، لأنني أدرك أنه تحرّر مستحيل. فأنا أقول بكثير من الحزن، إن السجن الماراتوني عطب شيئاً عميقاً في بنيتي النفسيّة، فقد بتّ أقلّ تحسّساً بالذلّ الشخصي من ذي قبل وأقلّ عنفواناً. وبات ضميري أكثر طواعية لنفسي، وأكثر تواطؤاً معها، في ما يتعلق بقضايا السلامة الشخصية. وقد عثرت في عيون شباب وشابّات سورية المنتفضين في الساحات والشوارع، بهتافهم ضد الديكتاتور، وبإبداعاتهم في التعبير عن الثورة التي تفور في أعماقهم، وبرفضهم الشجاع وصمودهم الأسطوري، عثرت على ذاتي الضائعة أو الهاربة مني، وكأنني أستعيد بهم توازناً فقدته في غمار ماراتون السجن المشؤوم.
السجن السياسي في سوريا مادة مهمّة للدراسة. من زاوية نظر الديكتاتور يبدو السجناء السياسيون عبرة لمن تراوده نفسه بالمقاومة، ولمن يسمح لكرامته بأن تطفو على السطح، ولهذا نجده يمعن في تعذيبهم ونفيهم من الحياة العامة، وجعلهم أعباء على أهاليهم وأشبه بالعاهات الثقيلة. بيد أن السجناء السياسيين من زاوية نظر مناقضة، هم خيط مقاومة وشهادة شعب بعدم الاستسلام. هم التاريخ المضاد للتاريخ الرسمي المدجّن والباهت. السجين السياسي في سورية ميّت حتى إشعار آخر.
شخصيّة الرسول
> قلت في مقدّمة دراستك إن النبي محمد (صلعم) جمع في شخصه ثلاث شخصيّات: أولاً الرسول وثانياً الإنسان الكامل وثالثاً الزعيم السياسي ومؤسّس الدولة؟
< نعم هذا صحيح، وهو ما لم يتوافر لشخص سواه من قبل ولا من بعد، وما يجعل الإلمام بسيرته شرطاً لازماً لكلّ من يخوض في شأن عام، وحتى خاصّ، في بيئة عربية إسلامية.
ولعلّ مرحلة الدعوة المحمّدية الأولى وانتصارها هي لحظة ولادة الأمّة (العربية المسلمة)، لحظة تطابقها مع ذاتها، ما جعل هذه المرحلة منجماً أبديّاً للبحث عن علاجات ضياع هذه الذات وتوهانها المزمن. المطلوب منك دائماً، لكي تحقّق الجدوى والنجاعة، ولكي لا تكون كالمنبت لا ظهراً أبقى ولا أرضاً قطع، أن تؤصّل لقولك في تلك المرحلة؛ أو على الأقلّ المطلوب منك من دون أن يطلب ذلك أحد، أن تكون ملمّاً بتلك المرحلة لكي تكون مقنعاً. وكلّما كان إلمامك أوسع كان لك ممرّ أكثر أمناً إلى عقل الغالبيّة الغالبة من مستمعيك.
هذه خاصّيّة تسم الوعي الإسلامي العام، وتسم بشكل خاص الوعي العربي الإسلامي، فتجعله كمن يريد أن يبحر من دون أن يغادر الشاطئ. يريدون أن يواجهوا صعوبات وتحدّيّات وإشكالات العصر الحديث، بكل تعقيداته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، مستعينين بما أوصلته لنا الروايات من سير السلف الصالح، الذي عاش في عصر مختلف تماماً. الأمر محيّر حقاً، ولا سيما أنه يسم أتباع الديانة الأخيرة، فلا نبيّ من بعد محمّد خاتم النبيّين. كيف لك أن تقنع هؤلاء مثلاً أن عدالة الخليفة الراشدي الفاروق لا تصلح لغير زمانه؟ وماذا لو مضيت في الأمر أكثر من هذا، وقلت إن القصّة المدرسية التي تروى عن عدالة هذا الخليفة، والتي تحكي عن مروره، وهو يتفقّد أحوال الرعيّة، بامرأة تطبخ الحصى لأبنائها الجوعى فأمر بإعانتها؟ هي قصّة تحمل في طيّاتها دلالة الظلم أكثر مما تحمل من دلالة العدل. ذلك أن وجود مثل هذه المرأة، التي يقول المنطق السليم إنه يوجد مثلها الكثيرون مّمن لم يتسنّ للخليفة أن يمرّ بهم، يشكّل إدانة لنظام عاجز عن تأمين سبل الحياة لأبنائه.. نظام يرمي قسماً من أبنائه في هاوية الفقر والعوز والتهميش. وإذا كانت تلك الأمّ قد أطعمت أبناءها يومئذ مما أعانها به الخليفة، فممّ ستطعمهم في الأيام القادمة؟ وكيف هدأ جوع أبناء الأمّهات المماثلات اللواتي لم يمرّ بهن الخليفة؟ نسوق هذا لنقول إن النظام السياسي والاقتصادي في صدر الإسلام، وفي أكثر أيّامه عدلاً على ما تروي السير، لم يكن نظاماً مثالياً في أيامه وظروفه ذاتها، فكيف يكون نظاماً مبتغى (وهو الحلّ) في أيامنا وظروفنا، لا بل وفي أيام وظروف الأجيال القادمة؟
> أنت ترى أنه لكي يكون القرآن جامعاً دنيوياً، لا بد من حلّ مشكلة التباين في التفاسير. وهو أمر لا يمكن حلّه إلا بفرض تفسير واحد، أو اتّـجاه تفسيري واحد، وحظر بقيّة الممكنات التفسيرية أو تهميشها.. هل لك أن تضيء على هذه النقطة؟
< نعم، وطبيعي أن الفرض في هذه الحال، لا يكون بالحجّة القويّة والمنطق المتين، فلكلّ تفسير حجّته ومنطقه، بل بالقوّة، والقوّة هي أساساً ملك وحق الدولة، وقد تكون ملك هياكل تنظيمية قسرية ومسلّحة غالباً، على شاكلة ما نراه من تنظيمات سلفية جهادية. وعليه، فإن ما يسمّى الإسلام السياسي لا يستطيع أن يخرج من كونه بذرة ديكتاتورية إسلامية أو اقتتالاً إسلامياً.
وبدراسة الدعوة المحمّدية، نكتشف البون الشاسع الذي يفصل بين ما يدعو إليه الإسلام السياسي اليوم بكل تلاوينه، وما دعا إليه وعمل من أجله خاتم الرسل. هذا في الوقت الذي يرى الإسلام السياسي إلى نفسه على أنه ناصر الرسالة المحمّدية ومفتديها وحتى حارسها وحاميها.
أنشأ الرسول محمد (صلعم) أمّته بأن تجاوز ما يفرّق أبناءها من انتماءات قبليّة، ليشدّد، من دون هوادة، على انتماء جامع وليد هو الدين الإسلامي الأول الواحد، فنهض بهم من حضيض الاقتتال والانقسام إلى علوّ الوحدة والأخوّة. أما اليوم، وبعد أن تلوّن الإسلام بالمذاهب والفرق، وبعد أن أصبح الإسلام اسماً يستتبع صفة توضحه، كأن تقول الإسلام الشيعي أو الإسلام السنّي أو الإسماعيلي أو العلوي أو.. إلخ، أو حتى الإسلام الجهادي والإسلام السلفي والمعتدل والمتحضّر.. إلخ. صارت راية الإسلام السياسية مصدر تفريق لا مصدر توحيد، على عكس الراية المحمّدية الموحّدة تماماً. وإذا كنا سنستلهم اليوم روح الراية المحمّدية، راية الإسلام الأول، فإننا سنرفع راية المواطَنَة التي تجمع تحتها كلّ الفرق والمذاهب والأديان، من دون أن تنتقص منها أو تحطّ من قيمتها، كما لم ينتقص الرسول محمد (صلعم) تماماً من الانتماء القبلي أو يحطّ من قيمته، حين أسّس لانتماءٍ موحِّد أعلى، هو الإسلام الأول.
كانت الدعوة المحمدية، إذا نظرنا إليها بعين سياسية، مركزاً واحداً، امتلك من القوّة الفكرية والمادّيّة، ما أهّـله إلى جمع عرب شبه الجزيرة من فوق انتماءاتهم القبلية والدينية البدائية، أما اليوم، فإن الإسلام بات متعدّد المراكز عقائديّاً وسياسياً، وبات من شأن هذا الواقع أن يحيل كل عمل إسلامي سياسي على عمل تقسيمي بالضرورة، أي على عمل يختلف في اللبّ عن عمل الدعوة المحمّدية. وبناء على هذا، تصبح قناعة الإسلام السياسي اليوم بأنه يحيي سيرة الرسول ويتم رسالته، وهذا وهم محض، لا بل إن الإسلام السياسي اليوم يقوم بدور معاكس في الكيفيّة للدور الذي قامت به الدعوة المحمّدية، ودائماً أتكلّم من الزاوية السياسية.
اليوم لا طريق مفتوحاً أمام أي تنويع من الإسلام السياسي لتوحيد الأمّة والنهوض بها. ولا بد للإسلام السياسي، سواء تمكّن من السلطة السياسية أم لم يتمكّن، من أن يفتّت ويؤسّس لصراعات أهليّة، ليس لسوء في نوايا حامليه أو خبث في طبيعتهم، بل لأنه يقوم على أساس رابط يقصي بطبيعته جزءاً من الشعب، هو الجزء غير المسلم، أو الجزء المسلم من مذاهب مغايرة.
ومنطلق الخروج من ما يشكّـله الإسلام السياسي من عبء على الواقع السياسي، (سواء من حيث كونه اتّـجاهاً سياسياً مولّداً للنزاعات الأهليّة وتقسيمياً في أساسه، ومن حيث تعدّيه على مجال الحرّيّات الخاصة، ومن حيث تمسّكه بما يظنّه تفويضاً إلهيّاً، ما هو في الواقع إلا مطامح دنيويّة.. إلخ)، هو العمل الثقافي الموجّه إلى الجمهور المسلم العريض. عمل ثقافي يهدف إلى توضيح الفارق الجوهري بين ما يدّعيه دعاة الإسلام السياسي، وبين ما يمثّـلونه في الواقع. أي مقارعة هؤلاء الدعاة في ساحتهم ذاتها ومع جمهورهم وبسلاحهم. لربما كان في ذلك ما يجدي أمام هذا المدّ الإسلامي السياسي، الذي يهدّدنا بإنشاء تنويعة جديدة من النظم الديكتاتوريّة قد لا تقلّ عسفاً ومأساويّة.
مستقبل سوريا
> كيف ترى إلى مستقبل سورية انطلاقاً من الأحوال الحاضرة؟
< لا يمكن التنبّؤ بالوجهة التي سيتّخذها مسار الأحداث في سوريا بفعل تزايد العناصر المؤثّرة، وتحوّل سوريا إلى ساحة مفتوحة، ومحلّ لاختبارات القوّة بين المحاور. لكن لا سبيل إلى الوراء في سوريا. لن تكون سوريا مكاناً يمارس فيه المتطرّفون الإسلاميون تشوّهاتهم الفكرية والسياسية، ولن تكون بعد اليوم مكاناً لحكم فرد أو عائلة أو فئة معيّنة. الدماء السورية التي سفكت كافية لإغراق أي فكرة استئثار مستقبلية، سواء باسم دين أو حزب أو تنمية أو تحرير أو أي شعار. وإذا كان الشعب السوري لم يتمكّن حتى الآن، وهذا لا يعيب، من التوحّد النهائي والتّام وراء جهة سياسية معيّنة، وإذا كانت كلّ الجهات السياسية المعارضة تفتقر إلى سياسة واضحة كمخرج عملي، أو تفتقر ربما إلى حرّيّة القرار، فإن ما هو واضح وصريح، ولا مجال للاختلاف في ترجمته، هو أن الشعب السوري قال كلمته النهائية: لا للاستبداد، ولا للاستئثار بالسلطة والثروة، ولا للتمييز على أسس طائفية أو عرقية.
> أعود معك إلى دراستك حول المجتمع الإسلامي، متى شرعت في كتابة هذه الدراسة، وما القصد الأساسي منها.. وهل هي بحث أكاديمي مثلاً؟
< كتبت هذه الدراسة منذ أكثر من خمس عشرة سنة، حين كنت في سجن دمشق المركزي في عدرا محروماً من حرّيّتي، لأنني كنت كما رأى الحاكم، أشكّل، من حيث لا أدري، تهديداً للأمن القومي.. تهديداً أدركه الحاكم العرفي المؤتمن على صيانة الأمّة، فحمى الأمّة منّي واحتجزني من جملة من احتجز ممن يهدّدون أمن الأمّة. ولئن حرمني ذلك، ظلماً، من حرّيّتي وحياتي الطبيعية، فإنه وفّر لي الوقت للبحث في الموضوع الذي طالما نفرتُ من الخوض فيه، واعتبرته، بفعل ثقافتي أو شبه ثقافتي الماركسيّة حينها، موضوعاً ميتاً ونبشاً في قبور لا طائل منه، لأكتشف مع الوقت والاختلاط والمعايشة، أنه الموضوع الأهمّ في حياتنا الاجتماعية والسياسية، وأنه القاع الذي تتدحرج إليه بآليّة عفوية كلّ المواضيع المثارة، من أكثرها حداثة إلى أقلّها، ومن مجال السياسة إلى الفنّ إلى كل شيء. إنه في حياتنا الموضوع المرجعي الأول.
مقابلة مع مجلة المشاهد السياسي اللندنية

