ولدت في قرية صغيرة من قرى مصياف، وبقيت فيها حتى سن الرابعة، لا أعرف حتى القرية التي تجاورنا. كل سكان القرية من المسيحيين الذين يتكلمون العربية ويلفظون حرف القاف صحيحاً على طريقة العلويين والدروز والكثير من سكان القرى السورية. لا أعرف حتى الآن سبب ذلك رغم وجود قرى
مسيحية لا تبعد عنا عشرة كيلو مترات تنطق حرف القاف كأهل المدن.كنت في ذلك العمر مثل كل الأطفال، أعرف المحيط الأقرب، أي القرية وأهلها والبقرات والماعز والحمير وكلاب القرية، وكنت اعرف الكنيسة والكاهن الذي كان يأتي من قرية أخرى كل أسبوعين ليقيم قداس الأحد. وكان في القرية راديو وحيد يعمل على بطارية كبيرة وانتيل، كنا عصابة الخمسة نتواجد أغلب الصباحات تحت شباك غرفة ابن خالتي الأستاذ جبرا لنسمع المطربة صباح.
في ذلك الزمن ، كنت أعتقد أن كل العالم الخارجي هو مسيحي مثل أهل قريتي، وكل البشر يتكلمون العربية مثلهم، وبقيت في ذهني هاتان القناعتان حتى بعد أن التحقنا بأبي في دمشق عام ١٩٥٤، بعد أن انعم الله عليه وأصبح شرطياً.
في دمشق اكتشفت المدينة، واكتشفت أنني ابن ضيعة، واكتشف زملائي في الروضة أن لهجتي مختلفة وكانت سببا لضحكهم أحياناً، وربما من أجل ذلك كنت أظن أن المعلمة تحبني، ولكن والدي قال لي فيما بعد أنها تحبني لأنني شاطر ومهذب..
في الصف الأول الابتدائي اكتشفت أن هناك في سوريا، مسلمين ومسيحيين. في السنوات التي تلت، كان بإمكاني مغادر الصف أثناء درس الديانة الإسلامية، إذا أردت أو أراد أهلي ذلك، ولم يحدث ذلك أبداً، فقد كنت أفضّل البقاء في حصة الديانة الإسلامية، مما كان يعطيني امتيازاً عند الأستاذ، ومديحاً مجانيا منه، كنت أحبه، لأنني مسيحي واحضر درس الديانة الإسلامية، حتى أنهيت الإعدادية.
في دار المعلمين، وكان عمري خمسة عشر عاماً، تعرفت على الأديان والطوائف. فقد كانت دار المعلمين في حمص هي أهم مدرسة في سوريا لتخريج المعلمين القادمين من كل المدن والأرياف السورية ، ولكن سرعان ما تم تخريبها بعد حرب ١٩٦٧ وتحويلها إلى مدرسة إيديولوجية لتخريج المعلمين البعثيين..
في عام ١٩٦٩ تخرجت معلما وعينت في إحدى قرى عفرين. قرية كردية صغيرة، يأتي الأطفال إلى الصف الأول لا يعرفون أي حرف عربي، وتبدأ معاناة الطالب والمعلم. ونتيجة نقص المعلمين والحاجة الماسة لوكلاء كنت تجد أحياناً معلما وكيلا كردياً من إحدى القرى الكردية ، وكان وجوده يساعد الطلاب على سرعة التقدم بالتعلم. لان القطاعين الممنوعين على الأكراد السوريين هما التعليم والكليات العسكرية في ذلك الوقت. هناك تعرفت على وجه جديد من وجوه سوريا، انه الوجه الكردي السوري، وعرفت بعض الظلم الذي يقع على سوري لأنه غير عربي.
عودة إلى البداية، إلى مرحلة عدم المعرفة أو محدودية المعرف، مرحلة القرية حيث كنت أظن أن العالم كله يجب أن يكون مسيحياً كأهل قريتي، ويتكلم العربية مثلهم. لقد صادفت ولا أزال وأنا على أبواب الثالثة والستين من عمري وفي كندا ، أن هناك كثيراً من السوريين وغير السوريين ما يزالون على قناعاتهم الفكرية منغلقين مثل الطفل ابن القرية الذي كنته، ويظنون أن العالم ينتهي عند باب دارهم، ولا يستطيعون قبول الأخر إلا إذا كان كما يظنون ويعتقدون، حتى لو كان ذلك من باب خداع الذات.
إننا الآن ونحن في الشهر الرابع عشر لثورتنا بأمس الحاجة لنتعرف عن قرب على مكونات المجتمع السوري الذي يعتبر من أغنى المجتمعات المحيطة بنا من حيث تنوع أعراقه وأديانه وطوائفه وقومياته. هذا التنوع الذي هو مصدر غنى إذا استثمرناه، أو مصدر كوارث إذا تركناه يسير بالاتجاهات التي تعمل عليها السلطة وبعض أصحاب المصالح الضيقة، مما يدفع إلى مزيد التعصب وانغلاق العقل وانسداد الأفق، ويزيد من تشرذم المجتمع السوري وتفتته، وصولا إلى تفتيت الوطن ذاته.
إن التعصب هو المرض الذي سيدمر سوريا إذا استمر انتشاره، ونأمل أن تنهيه الثورة….

