°
, April 18, 2026 in
آخر الأخبار
ثقافة
0

حول الرغبة الإنسانية للمعرفة

إذا لم تكن قضية الصحة مقولة مجرّدة , أي شيئاً غير موجود في الواقع , فإننا نستطيع القول إن إنساناً صحيحاً تمام الصحة قد لا يكون إنساناً وإنما حيوان غير عاقل . غير عاقل لغياب مرض يقدح شرارة عقله . وإنه لمرض حقيقي ومأساوي ما تمنحنا إياه شهوة المعرفة حبا بالمعرفة ذاتها , ولذة بتذّوق شجرة علم

الخير والشر . ” كل الناس يسعون بطبعهم إلى المعرفة ” . هذا ما قاله أرسطو في ميتافيزيقاه . ومنذ ذلك الحين رُدّد آلاف المرّات أن أصل العلم الفضول أو الرغبة في المعرفة التي قادت أمّنا الأولى إلى الخطيئة حسب سفر التكوين .

 

لكن من اللازم التمييز بين الرغبة في المعرفة أو اشتهائها حبا بالمعرفة ظاهريا ومن أوّل نظرة , أو قل بين التطلع إلى تذوق ثمرة شجرة المعرفة وبين الحاجة للمعرفة من أجل العيش . وهذا الأمر الأخير الذي تهبنا إياه المعرفة الفورية والمباشرة , أو ما نستطيع أن نسميه بمعنى ما إن لم يبدُ ذلك مفارقة , معرفة لاواعية , يشترك فيها الإنسان والحيوانات , في حين أنّ ما يميّزنا من الحيوانات المعرفة التأملية , معرفة المعرفة ذاتها .

طالما جادل البشر حول أصل المعرفة , وسيظلون يجادلون , لأن العالم سُلِّم إلى جدالهم . لكنّا إذا تركنا الآن إلى وقت لاحق ما يغوص من جدلهم في أعماق الوجود , فالمحقق والثابت أن المعرفة تتجلى لنا حسب نظام الأشياء الظاهري , وحياة الكائنات المزودة بمعرفة أو بإدراك ضبابي إلى حد ما , أو تبدو من سلوكها مزودة به , مرتبطةً بالحاجة إلى العيش , أو السعي وراء القوت لبلوغه . وذلك من عقابيل ماهية الكائن ذاته الكامنة حسب اسبينوزا في محاولته الاستمرار في وجوده ذاته من غير حدود . وبمصطلحات تحديدُها قارب حدود الفظاظة , ونقول إن الدماغ نظرا لوظيفته يرتبط بالمعدة . لأن سلوك الكائنات التي تندرج في أسفل سلم الأحياء سلوكا ً يُبدي خصائص شبه إرادية ويبدو مرتبطا بوعي واضح إلى حدّ ما هو سلوك يسلكه الكائن في محاولته الحصول على القوت .

هذا هو أصل المعرفة التي يمكننا أن نسميها تاريخية , أيّاً يكن ْ أصلها في مجال أخر . فالكائنات المزودة بالإدراك تدرك كيما تقدر على العيش , وتدرك مقدار ما نحتاج إليه كيما يعيش . لكن ّ هذه المعرفة المختزنة التي بدأت بكونها نافعة ثم تخلّت عن أن تكون كذلك , ربّما شكلّت مقداراً يتجاوز كثيرا حاجتها إلى الحياة .

إذا ً, هناك أولاً الحاجة على المعرفة من أجل العيش , ثم تتطّور منها هذه المعرفة الأخرى التي نستطيع أن نسميها معرفة ترف ونافلة تستطيع بدورها أن تشكل حاجة جديدة . والفضول المسمّى رغبةً فطرية في المعرفة , يستيقظ ويعمل فقط ما إن تُشبع الحاجة إلى المعرفة من أجل العيش . ولئن كان هذا لا يحدث أحيانا بهذه الطريقة في الشروط الحالية لجنسنا , بل الفضول يتجاوز الضرورة والعلم والجوعَ , فإن الحقيقة الأولية هي أن الفضول نشأ من الحاجة إلى المعرفة من أجل العيش , وهذا هو الثقل الميّت والمادة الفظّة التي يحملها العلم في داخله , ذلك أن العلم ينزع إلى أن يكون معرفة من أجل المعرفة , ومعرفة الحقيقة من أجل الحقيقة ذاتها , لكن ضرورات الحياة ترغم العلم وتلويه كيما يضع نفسه في خدمتها , وإذا كان الناس يحسبون أنفسهم يبحثون عن الحقيقة للحقيقة ذاتها , فإنهم يبحثون حقاً عن الحياة في الحقيقة , وتنّوع العلوم يرتبط يتنوع الحاجات البشرية , ورجال العلم يعملون عادة شاؤوا أم أبوا , عن علم أم عن غير علم , في خدمة الأقوياء أو في خدمة الشعب الذي يطلب منهم أن يحقّقوا له مآربه .

 

 

من كتاب الشعور المأسوي بالحياة . لـ ميغيل دِه أونامو . ترجمة علي إبراهيم أشقر . صادر عن دار التكوين دمشق . سوريا .

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *