°
, April 18, 2026 in
آخر الأخبار
ثقافة
0

صور و رموز

صورة العالم

تصورت كل من المجتمعات الموغلة في القدم , والمجتمعات التراثية السلفية , العالم المحيط بها , وكأنه عالم صغير منظم . وعند حدود ذلك العالم المغلق , يبدأ مجال المجهول , المفتقر إلى الهيئة والشكل .

فمن جهة أولى , هنالك المكان الداخل في النطاق الكوني . وهو منظم , ومسكون من قبل البشر .

ومن جهة ثانية , هنالك خارج المكان المألوف , منطقة مجهولة , موحشة ومخيفة , تتجول في أرجائها الأبالسة , ويسرح في أنحائها الغرباء وأشباح الموتى . وبكلمات موجزة , هنالك العشوائية , والموت والليل , مقابل النظام والنشاط الإنساني .

هذه الصورة عن العالم الصغير , العالم المسكون , والمحاط بالمناطق الصحرواية المقفرة , والمماثلة للعشوائية والسديم , أو لملكوت الأموات , نلمح استمرارها , حتى في الحضارات المتطورة للغاية , مثل حضارات الصين وما بين النهرين أو حضارة مصر .

هكذا , فأن عددا من النصوص تجري التماثل بين الأعداء الذين يقومون بالهجوم على أرض الوطن , وبين الأشباح , والأبالسة , وقوى السديم والعشوائية . حسب هذا الاتجاه , اعتبر قدماء المصريين أعداء فرعون بمثابة ” أبناء الخراب والدمار , وأبناء الذئاب والكلاب الخ ” .

كان فرعون – بزعمهم – يماثل الإله رع RE قاهر التنين أبو فيس . وقد عمدوا إلى تشبيه أعدائه أيضا , بذلك التنين الأسطوري , ولما كان الأعداء يهاجمون البلاد , ويعرضون للخطر التوازن القائم فيها , وحياة الناس ذاتها – أو يهاجمون أي إقليم يعمره البشر وينعم بالتنظيم والتدبير – فهم يتشبهون بالقوى الشيطانية , لأنهم يسعون السعي كله إلى إلحاق ذلك العالم الصغير المنظم بحالة السديم والعشوائية , أي أنهم يعملون على تقويض أركانه , أو على حذفه أو إلغائه .

ومن ذلك نخلص إلى القول أن تدمير نظام قائم , ومحو صورة من صور النماذج الأولى , ليعادل الارتداد إلى الفوضى والسديم , والعودة إلى ما قبل وجود الهيئة والشكل , أي إلى حالة البلبة وانعدام التمييز السابقة لخلق الكون .

تجدر أن تلك الصور ذاتها ما زالت تستخدم , في أيامنا , كلما اقتضى الأمر التعبير عن الإخطار التي تهدد بعض النماذج من الحضارات , عندما يتحدثون , خصوصا , عن انتشار ” الفوضى والعشوائية ” وعن شيوع ” البلبة وانعدام النظام ” وعن ” الظلمات التي سيغرق بها عالمنا ” . إن كل تلك العبارات – ونحن نعي ذلك القول تمام الوعي – لتدل على زوال النظام , واضمحلال كون وبنية , وتشير إلى إعادة الانغماس في حالة من الميوعة وانعدام الشكل , وفي النهاية , تقضي إلى إدراك حالة السديم والعشوائية . ونذكر بأن تصور العدو بشكل كائن من الأبالسة – هو التجسيد الحقيقي للشر – استمر حتى أيامنا , أيضا .كذلك فان التحليل النفسي لتلك الصور الأسطورية التي ما برحت تفعل فعلها في العالم الحديث , ربما يظهر مدى إسقاطنا , على الأعداء , رغباتنا الخاصة في التدمير والتخريب . إلا أن هذه المسألة تتجاوز نطاق اختصاصنا .

ما نريد إيضاحه أن ثمة خطورة للأعداء , الذين يشكلون تهديدا ل ” العالم الصغير ” , لا لكونهم كائنات بشرية , ولا لاعتبارهم بشرا , وإنما لأنهم يجسدون القوى المعادية العاملة على نشر الخراب والدمار .

وأغلب الظن أن الحصون المقامة للدفاع عن الأماكن المسكونة , وعن المدن , كانت تؤدي , في البداية , وظيفة سحرية , لأنها – وهي الخنادق والمتاهات والأسوار الخ – معدة لتحول دون اجتياح الأرواح الخبيثة للمعمورة , أكثر من إعدادها لصد هجمات الأعداء من بني البشر .

وحتى في حقبة متأخرة من حقب التاريخ , في العصر الوسيط , وعلى سبيل المثال , كانت أسوار المدن مكرسة , بالطقوس , لحماية الناس , وللدفاع عنهم ضد إبليس و وضد المرض والموت .

حسب هذا المنظور , لم تصادف الرمزية , الممعنة بالقدم , أية صعوبة في تشبيه عدو البشر بإبليس وبالموت .

وخلاصة الكلام . إن نتيجة الحملات , سواء أكانت من فعل الأبالسة أم من فعل العساكر , هي ذاتها على الدوام : إنها الخراب , والدمار , وزرع الموت .

وبالإضافة إلى ذلك , فأن كلا من العالم الصغير والإقليم الذي يعمره البشر , يمتلك ما يمكن تسميته ” مركزا ” أي مكانا كلي القداسة . في ذلك المركز يحصل ظهور المقدس بتمامه , إما بشكل تجليات مقدسة أولية , نلاحظها عند ” البدائيين ” , في المراكز الطوطمية , على سبيل المثال , وإما بالشكل الأكثر تطورا للتجليات المباشرة التي تظهر بها الآلهة , كما في الحضارات التقليدية السلفية .

لكن ينبغي علينا أن لا نتناول هذه الرمزية , وفق ما يحفظ الفكر العلمي الغربي , من مقتضيات علم الهندسة . إن الأمر ليختلف تمام الاختلاف . إذ يمكن , في رأي الإنسان القديم . وجود عدة ” مراكز ” لكل عالم من” العوالم الصغيرة ” التي أشرنا إليها . إن بلاد الرافدين والهند , والصين الخ عرفت عددا غير محدود من ” المراكز “

وأكثر من ذلك , يعتبر كل من تلك ” المراكز ” في ذات الوقت , ” مركز العالم ” . وتطلق عليه , حرفيا , تلك التسمية . ولما كان الأمر يتعلق بمكان مقدس يتم إنشاؤه بصورة طقسية , ويدركه المرء من خلال تجلي القداسة , ولا يتعلق بمكان علماني لا صلة له بالقداسة , ولا بمكان خاضع لعلم الهندسة , لذلك فأن تعدد ” المراكز في الأرض ” , داخل إقليم واحد يقيم فيه البشر , لا يطرح أية مشكلة .

إذن , حسب رأي الأقدمين , نحن أمام جغرافية مقدسة , وأسطورية , هي , وحدها , الواقعية , بالفعل . ولسنا أمام جغرافية ” موضوعية ” وعلمانية لا تمت بصلة إلى القداسة , جغرافية , ذات طابع مجرد , حسب بعض الاعتبارات , وغير أساسية . وكذلك لسنا أمام جغرافية تبني بناء نظريا لمكان , ولعالم لا يسكنه الإنسان . وبالتالي لا يعرفه .

في الجغرافية الأسطورية . المكان المقدس هو الواقعي إلى أبعد حدود الواقعية . فالأسطورة – كما تم البرهان عليها حديثا – هي واقعية , عند أبناء العالم القديم , لأنها تتحدث عن تجليات الواقع الحقيقي , المتمثلة في القداسة . إنه لفي مثل ذلك المكان يلامس المرء القداسة ملامسة مباشرة , سواء أكان المقدس يلبس اللباس المادي , من خلال بعض الموضوعات , الممثلة للألوهة , أو كان متجليا في الرموز الكونية , حاملة القداسة مثل : رمز دعامة العالم , ورمز الشجرة الكونية الخ .

في الثقافات التي عرفت تصورا للمناطق الكونية الثلاث : السماء والأرض والجحيم , يؤلف المركز – مركز الأرض – نقطة التقاطع بينها . هاهنا , يمكن إجراء قطيعة بين هذه المناطق , قطيعة في المستوى , وفي ذات الوقت , بالإمكان إجراء اتصال فيما بينها .

كتاب صور ورموز لمؤلفه ميرسيا ايلياد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *