منذ طفولتي البعيدة ، حلم محددٌ يغزو نومي , ورغم أنني ولدت على شاطىء البحر , فإن الحلم يبتعد كثيراً عن البحر , إنه حلمٌ في الغابة
بدا الحلم غريباً لي , تحدثت عنه لوالديّ ؛ لكنني لمْ أرَ استجابة منهما لحلمي, وهذا ما سبب لي ألماً أغرقته في داخلي .
قال والدي ضاحكاً أضغاث أحلام .
أما والدتي فأخذت الأمر بجدية أكثر؛ خاصةً بعد تكرار الحلم .
قالت والدتي الغابة خضرة , وقبل أن استرسل في الحديث عما قالته والدتي لابد لي من أن أقص الحلم :
غابةٌ و نبعٌ تتدفق منه مياهٌ تعكس زرقة السماء, وخضرةٌ وعصافير , وفتاةٌ في الغابة ألعب معها .
الفتاةُ ما إن أحضر حتى تخرج من الشجرةَ، عيناها زرقاوان في محيطهما , وخضراوان في المركز, عندما تنعكسُ أشعة الشمس عليهما , أرى ألقاٌ وتوهجاً غريباً، وأذكر أننا في لقائنا الأول لم نتحدثْ , بدا كلقاء تعارف .
لمستٌ يدها , ولمستْ يديْ , نظرت في عينها وبادلتني ذات النظرة. كنت في العاشرة من عمري آنذاك , وهي في مثل عمري .
– لم أسألها عن اسمها.
– أخبرتها باسمي : أنا محمد
– قالت : أنا فتاة الغابة .
لم يعنِ لي ذلك الاسم أكثر من أن اسمها فتاة , تبادر إلى ذهني أنها تسكن في الغابة مع أهلها،
الشيء الذي لفت نظري أنني لم أتمكن من إطالة النظر في عينيها، ما أن أحاول التحديق ، حتى أرى الأشجار تنعكس داخلهما كمرآة تعكس ظلال الطبيعة, وإذا ما نظرتْ باتجاه النبع أرى البحر، وعندما تطرف الشمس عينيها أكاد أحترق .
اعتدت الهروب كل يوم إلى النوم مبكراً كي يأتي الحلم , أبدأ بنسج حلم في اليقظة عنها . استحضرها إلى جانبي أذكر آخر حلم رأيتها فيه , ثم أسقط في النوم , وكثيراً ما تأتي , تحدثني عن الطيور والثعالب والذئاب عن الأشجار والنباتات .
لقاؤنا صاخبٌ , ما إن آتي إلى المكان المعتاد قرب النبع , حتى تأتي من ذات الشجرة , ونبدأ اللعب سوية بفرح كبير .
– سألتها ذات يوم أين تقيمين ؟ ..
ابتسمت وقالت في الشجرة .
– ولكن أين أهلك ؟
ابتسمت وقالت هؤلاء . أشارت إلى الأشجار
ضحكتٌ وقلت أنت لاشك تمزحين, هل أنت شجرة ؟
ابتسمت وقالت :
أخبرتك أنا فتاة الغابة, يمكنني أن أكون أي شيء في الغابة . شجرة , عصفور , أرنب , وحتى ذئب , لا تخف فأنا لن أؤذيك؛ فأنت صديقي .
قلت لها : وأنا فتى البحر .
ضحكت وقالت : أنت محمد فحسب وصديقي , هيا أُعّرفك على أهلي .
والدي شجرة الكستناء ،والدتي، عائلتي جدي جدتي .كانت تشير إلى أشجار الكستناء
– لكن ألن تتزوجي ؟
تجيبني : نعم نعم لكنني بانتظار أن أكبر أكثر , أنا مازلت صغيرة في مثل سنك .
مضت أيام وكبرتُ والحلم يتكرر , ضحك منه والدي، وقالت أمي :
– هذه الفتاة فيها شيء من سيدنا الخضر, أيامك يا ولدي ستكون خضراء , وستنجب أولاداً أيديهم خضراء . لكن لا تتزوجها حتى في الحلم , فالزواج من غير الانسان مكروه, أخشى أن تكون جنية من عباد الله الصالحين , لكن لا تتزوجها يا ولدي.
في الأحلام التالية تعمد لتأتي كطائر ثم تتحول، وأحياناً أرنب لكن شيئاً ما يميزها دائماً، فهي تحمل ذات العينين وذات النظرة التي اعتدت الغوص فيها .
قلت لها ذات حلم : لماذا لا تبقين على صورة البشر ؟ وتأتين خارج الغابة .
ـ ضحكت ولم تجب .
ـ ألححت عليها بالسؤال .
ـ قالت : ربما ذات يوم عندما تكبر أو نكبر …….
كم حلمت أن أرى هذه الأنثى الشجرة بشراً , وأن تضحي حقيقة . لكنني اعتدت الضحك من ذاتي, ومن حلمي , مضت أيام طويلة شغلتني الحياة والدراسة , وصارت إطلالاتها في الحلم بعيدةً وقليلة , ولكن الحلم لم ينقطع, و في كل مرة تأتي أسعد لرؤيتها , و أحسها تكبر معي , وتبقى في مثل سني , ومنذ عام رنَّ الهاتف ؛ على الطرف الآخر صوت أنثوي يتعال ،قالت: أنا مريضة أريد أن أراك لأمر يتعلق بعيني , أعطاني صديق لك رقم الهاتف.
دخلت الفتاة وكعادتي ( جاداً قابلتها بترحابٍ مع بسمة ترسمها المهنة على الشفتين ) رأيت شحوباً حول العينين , الشعر أشقر , والعينان بمحيط أزرق , ومركز أخضر , دققت النظر فيهما , قميصها الأزرق يعكس زرقة السماء في عينها , وعندما أشعلت نور الجهاز ومض اللهيب . يا الله جفلت .
ابتعدت عنها . وأنا استرجع أحلامي , وأسمع دقات قلبي , تأملتها , هززت رأسي .
– قالت : ماذا ؟
– لا لا .. لا شيء أنا قاص وربما رومانسي, لا تؤاخذيني … شيء ما من طفولتي … أحدٌ ما يشابهك .
قالت : وهي تنظر في عينّي , وتطيل النظر كما في الحلم , سأسر لك أمراً …
قلت : ما هو؟
هزت رأسها وقالت : أتذكر النبع والغابة والشجرة .
قلت : نعم , وأنا لا أكاد أصدق ما أسمع وأرى .
قالت : كنت أراك في حلمي , وبحثت عنك , لقد فوجئت عندما رأيتك . لقد رأيتك بعد أن ، صمتت ولم تكمل
سألتها بعفوية:
ـ هل أنت متزوجة ؟ …
ـ لا كيف يمكن لفتاة الغابة أن تتزوج ….
ـ وأنت ؟ ..
ـ متزوج وعندي ثلاثة أولاد
جلست فتاة الغابة أمامي , خلعت نظارتي وضعتها جانباً , اقتربت من كرسيها, رجوتها أن تنظر في عيني كما في الحلم .
قلت لها : الأمر غريب … وأنا لا أصدق .
ونحن متقابلان بغتة قوس صاعق يمتد بيننا ، أشبه بحالة سوريالية، أقف بحيرة وصمت أمامها ولا أجد لها تفسيراً، الحلم والواقع يتبادلان الأمكنة وأتذكر عبوري إلى الحلم لكنها المرة الأولى التي أشعر أن الحلم يأتي إلي ، فتاة تبتسم وكأنها تعرف كلماتي قبل أن أنطقها . أمسكت يدها، تأملت أناملها وراحتيها ثم قلبتهما , يدان شديدتا البياض وعروق خضراء , وجه مثلثي, وعينان عندما أنظر فيهما لا أرى سوى انعكاس داخلي , واستيقاظ الحلم القديم و الحاحه بقوة .
إنه ذات الحلم يعاودني , ولم أعد أدرك هل أنا في الواقع أم أن الواقع هو في الحلم .
الوقت يمضي ونحن صامتان , وإحساس بوهج يتلبسني , ونظرات تنسكب من عينيها في روحي , وهي تطيل النظر , وتقول : هل تذكر النبع والأشجار , ووالدي ووالدتي وشجرة الكستناء , والأرنب والطائر , هل تذكر كل الحكايا ؟
لا أدري كم من الوقت مضى عليَّ وأنا ممسك بيدها,
قلت لها : هل نذهب إلى الغابة معاً؟ .
ابتسمت وهي تلمس يدي ثم تضع أناملها على عيني تمسحهما, وأشعر بندى الغابة ينسرب على وجنتي , ورائحة النرجس تفوح منها , نسمات تلفحني وهي وتداعب شعري , وأذني , وأشعر أنني معها في الغابة أحتضنها, وأننا ندخل معاً إلى ذات الشجرة .
رجل وصبية وعائلة تقيم احتفالاً قرب النبع , وهي متوجة بالأغصان , ترتدي سترة من الريحان , تبتسم فرحة وشعرها يسترسل فوق وجهي , تموج به فيدغدغني ,أرى في عينيها صفاء روحي, تمسك يدي بيديْها , نقف أمام آلهة الغابة, ترسمنا شجرتين مباركتين , أنثى وذكر في لقاء أبدي …. انتهت لحظة الصمت، وابتدأت الغابة بالرقص بكل ما فيها , فتاة تقف إلى جانبي ثم تغادرني , لتعود طيراً أو أرنباً بذات العينين تعابثني , ثم تعود
عندما صحوت كانت فتاة قد رحلت .
– سألت الممرضة عن المريضة .
– ابتسمت الممرضة أجابت : تركتْ المريضة لك رسالة غريبة .
– قالت : انتظرها فسوف تعْود .
مضى زمن وإلى اليوم مازلت أنتظر عودة فتاة الغابة .
طرطوس 25/10/2002
عن حائط القاص الدكتور محمد الحاج صالح .عـا : .facebook

