(من السنة الخامسة حتى الثانية عشرة)
الفروق بين الجنسين
على الرغم من أن صبيان ما قبل المدرسة وبناتها يلبسون بشكل مختلف عن بعضهم بعضاً ويبدون بعض الفروق في ممارسة الفعاليات المختلفة فإنهم يقيمون قليلاً من التمايز بين بعضهم ويلعبون معاً بشكل يثير
رضاهم. إلا أنه وبدءاً من السنة السادسة أو السابعة يميل كل من الصبيان والبنات لإقامة فئات لعب معزولة وممارسة فعاليات ذكرية وأنثوية متباينة وتشير تلك التغيرات إلى أن أطفال المدرسة الابتدائية قد بدؤوا يشكلون هوية نفسية كأعضاء في هذا الجنس أو ذاك. ولاشك أن الفروق بين الجنسين معقدة وليست مفهومة تماماً. إلا أننا نستطيع التعرف على عاملين أساسين في تلك الظاهرة النمائية.
يتجلى العامل الأول بما اسماه (ماكوبي وجاكلين) بالتباين الفطري الطبيعي بين الجنسين. وقد استنتج الباحثان في مراجعتهما التفصيلية للأبحاث الخاصة بالفروق الجنسية أن هناك فروقاً فطرية بين الصبيان والبنات في المجتمعات كلها وأن تلك الفروق تتضح باكراً. وكما ذكرنا من قبل فإن الصبيان أكثر عدوانية من البنات كما أن قابلياتهم العضوية أمضى من نظيرتها لدى البنات وتتفوق البنات على الصبيان في القابلية اللغوية. ولاشك أن للفروق العضوية بين الجنسين دورها في تحديد نمط الشخصية الذكرية والأنثوية وهذا ما يساعد الصبيان والبنات على تشكيل هوية دور جنسي متميزة. غير أن العوامل العضوية توفر إيضاحاً محدوداً لتمييز الهوية وتقوم الفروق البنيوية مبدئياً بين أعضاء الجنس الواحد إضافة إلى وجودها بين فئات الجنسين. كما أن التباين في العدوانية داخل كلا الجنسين يكون شديداً جداً يكاد يتخطى الفروق بين الجنسين في هذه الناحية.
أما العامل الثاني في تكوين الفروق بين الجنسين فيرجع إلى عملية التأهيل الاجتماعي لكلا الجنسين. وقد أظهرت الدراسات أن الفروق في تأهيل الأهل للصبيان وللبنات تولد فروقاً نفسية كبيرة بين الجنسين. إذ يميل الأهل لمعاملة الصبيان بخشونة خلافاً لمعاملتهم الناعمة للبنات كما أنهم يميلون لإنزال العقاب الجسمي بالصبيان دون البنات مما قد يجعل الصبيان أكثر خشونة من البنات في لعبهم. وقد وجد من طرف آخر أن الأهل يميلون لمعاملة صبيانهم وبناتهم بطريقة واحدة في عدد من الجوانب الهامة فكثير من الأهل يبدون القلق نفسه من الصبيان والبنات ويشجعون أعضاء كلا الفئتين لأن يكونوا استقلاليين.
يخلص ماكوبي وجاكلين (1974) إلى القول بأن الأهل يميلون لمعاملة أطفالهم وفق إدراكهم لطباعهم الفردية واهتماماتهم وقابلياتهم أكثر من معاملتهم لهم وفق قوالب جنسية خاصة. وفي الواقع ثمة هوة سحيقة بين عقل الأهل المتفتح وبين التعاريف الجامدة للأدوار الجنسية لكل من الصبي والبنت. إلا أن هذا لا يعني انتفاء الفروق في معاملة الأهل للجنسين. من جهة ثانية تؤدي عملية التأهيل الاجتماعي دوراً كبيراً في تحديد الأدوار الجنسية. وقد سأل (لوفت) أبناء السادسة والسابعة والثامنة من صبيان وبنات ماذا يودون أن يصيروا عندما يكبرون؟ فأجاب الصبيان بأنهم يودون أن يكونوا لاعبي كرة قدم وشرطة وأطباء وأطباء أسنان ورجال دين وعلماء وطيارين ورواد فضاء بالترتيب التعاقبي أما البنات فقد اخترن مهنة المعلمة فالممرضة فربة البيت فالطاهية فالبائعة.
ولا بد من الإشارة إلى أن بعض جوانب هوية الدور الجنسي تكتسب بالتربية فينمي الأطفال خلال محاكاة والدهم من جنسهم إحساساً واضحاً بأنماط التفكير والسلوك لدى كل من الذكر والأنثى. وقد سأل (ماسترز وولكنسن) أبناء الرابعة والسابعة والثامنة والراشدين ترتيب 52 دمية تبعاً لاستخدامها من قبل الذكور أو الإناث فكان أن نسبت أكثر الدمى وبصورة ثابتة لجنس أو لآخر مما يؤكد قيام قوالب للدور الجنسي في الفئات الثلاث الأولى. إلا أن كبار الأطفال والراشدين كانوا أكثر خضوعاً لوجهات النظر المقبولة من صغار الأطفال الذين ربما لم يدركوا بعد التوقعات الملائمة لكل جنس.
تبين بعض الأبحاث أن هناك عوامل داخل الأسرة تنمي تقمص الأولاد لأدوارهم الجنسية في تحقيق التكيف النفسي السوي. وعلى وجه الخصوص يستطيع الأولاد الذين يعيشون في أسر يرعاها الوالدان مادياً ونفسياً أن يكتسبوا هوية دور جنسي واضح وأن يجيدوا التكيف في أسرهم وذلك عندما يكون كل من الوالدين حسن التكيف ويحافظ بوضوح على دور جنسي متميز وثابت. غير أن التقمص والتقليد يعجزان عن إيضاح بعض الجوانب في هوية الدور الجنسي لأطفال المدرسة الابتدائية. وعلى وجه الخصوص يعمد الصغار غالباً إلى تحديد قاطع للفئات التي يلعبون معها وذلك على الرغم من مشاهدتهم لأهلهم يتعايشون مع الراشدين من كلا الجنسين. وبالمثل فإن الأطفال يلتصقون أحياناً بمفاهيم جامدة حول الدور الملائم للصبي وللبنت على الرغم من قيام الدليل المضاد من نماذج من أسرهم الخاصة. وقد روى ماكوبي وجاكلين حالة طفلة صغيرة اعتقدت أنه يمكن للبنت أن تصير ممرضة وأن الصبيان وحدهم يستطيعون أن يصيروا أطباء على الرغم من أن أمها نفسها كانت طبيبة. يبدو أن الأطفال ينمون مفاهيمهم حول الدور الجنسي ليس فقط استجابة لظواهر عضوية وتأهيلية وتقمصية وإنما تحت تأثير آرائهم الخاصة وأفكارهم المفرطة في التبسيط والمبالغة حول ما يجب أن يكونه البنات والصبيان. والحكم الفج الذي يبديه الصغار في حمل مثل تلك الأفكار يتماشى في الواقع مع فجاجة مهاراتهم الادراكية والمعرفية العامة.
ولا شك أن عزل الصبي عن البنت خلال الطفولة المتوسطة مع ما يرافقه من فرص التقارب ضمن كل فئة جنسية والمشاركة في قوالب الدور الجنسي يؤدي وظيفة نافعة في نمو الشخصية الذكرية والأنثوية وتميزها. والأولاد الذين لا يشاركون بنشاط في اهتمامات أقرانهم من الجنس نفسه أو الذين يصرفون وقتاً طويلاً مع الجنس الآخر إنما يخسرون فرصاً ضخمة لتمييز أنفسهم كصبيان أو كبنات. وهذا ما يمكن أن ينعكس عليهم ويجعلهم عاجزين عن إقامة العلاقات الجنسية الغيرية في مرحلة المراهقة. هذا إضافة إلى عجزهم عن تحقيق التكيف مع الناشئة من جنسهم. وقد يستمر بعض هؤلاء في علاقات الصداقة والأخوة والعذرية مع ضغار من الجنس الآخر. كما قد يتعرضون في حال زواجهم لمواجهة مصاعب جمة في معاشرة الشريك وقد يحسون بأن عليهم هجره والركون إلى عزلتهم.
الكمون الجنسي النفسي:
سميت المدرسة الابتدائية بمرحلة الكمون الجنسي النفسي وذلك بسبب الطبيعة اللاجنسية للعلاقة بين الصبيان والبنات. وعلى الرغم من أن هذه الفترة تشكل هوة بين الوقت الذي يبدأ فيه الصغار بتشكيل هوية دورهم الجنسي وبين الوقت الذي تظهر فيه اهتماماتهم الصريحة بالجنس الآخر فإن الكثير من الحياة الجنسية واتجاهات أولاد المدرسة الابتدائية ذات الطبيعة الجنسية يحدث دون أن تلاحظه العين.
يستطيع ملاحظ حساس وبمنتهى السهولة أن يكتشف ثقوباً في درع العزلة الجنسية الذي يلبسه باعتزاز كل من الصبيان والبنات إذ يجد الصبيان لذة كبرى في الاستعراض أمام البنات والمزاح معهن على الرغم من الاحتقار الواضح لهن والبنات بدورهن وبصرف النظر عن تجاهلهن الظاهري للصبيان ينتبهن جيداً لهم ويستجبن لمزاجهم بالرد الذي يشجع هؤلاء الصبيان على المزيد من المزاح ولا تتوانى الإناث عن الإسهام بدورهن في الاستعراض فلا تتورعن عن الحديث عن أنهن فقن الصبيان نقطاً في هذه المادة أو في تلك. وتساعد ضروب الاستعراض والمجابهة المشار إليها الصبيان والبنات على المحافظة على اهتمام الواحد بالآخر في الوقت نفسه الذي تبقيه فيه منشغلاً بإقامة دوره الجنسي الخاص.
إن أبناء المدرسة الابتدائية يفكرون ويتخيلون كثيراً حول الجنس. وعندما يصل الصبيان إلى سن العاشرة أو الحادية عشرة يظهرون الكثير من الفضول حول تشريح الأعضاء الجنسية ووظيفتها وحول الفعل الجنسي وحول منع الحمل والأمراض الجنسية ويعجز الراشدون عن ملاحظة الطبيعة الجنسية لاهتمامات الصبيان في هذه المرحلة ذلك لأن الصبيان يناقشون المسائل فيما بينهم ويمتنعون عن توجيه الأسئلة الصريحة المزعجة لأهلهم. إلا أن من يستطيع أن يلاحظ أو يتذكر تجربته الخاصة كصبي في المدرسة الابتدائية يمكن أن يرى نفسه وقد تجمد إزاء تمثال عار في المتحف. وتبدي البنت في السنوات الأخيرة من المدرسة الابتدائية اهتماماً خاصاً بالغرام فهي وإن كانت لا تشارك الصبيان انشغالهم بالمظاهر العضوية للجنس فإنها تحلم برجل خارق يحتضنها يوماً وتتابع الصغيرة بدأب قصص المجلات والمسارح وتنمي اهتمامات قوية بمختلف المشاهير القوميين مثل المغنين ونجوم السينما ولاعبي كرة القدم. وغالباً ما تتركز اهتمامات صديقتين أو فئة من البنات برجل واحد فيتحدثن ساعات حول فضائل معبودهن ويجمعن تذكارات عن نشاطاته المجسدة وقد لا تتورع تلك الفتيات من التقرب من المعبود أو من أشيائه بأية صورة فالكمون الجنسي النفسي قائم إذن عند كلا الجنسين خلال مرحلة الطفولة المتوسطة التي تظهر فيها بوادر الفعاليات الجنسية الغيرية الباعثة على اللذة وتنمو فيها باضطراد الاهتمامات الجنسية الغيرية.
_________________________
عن موقع: kids-psychology

