قد تبدو بعض الأفكار في هذا النص بديهيات معرفية ولا تقدم شيئاً جديداً. لكننا نقول:
1- إن الكيفية التي نتناول من خلالها فكرة واضحة ضمن سياق النص الكلي، يمنح تلك الفكرة دلالات جديدة، قد لا نراها فيما لو لم نستطع قراءتها وفق ذلك.
2- إن التذكير بالمعارف الأولية يمنح الفكر صفاءً من جديد ،إذ يغسل نفسه من العوالق, ويعيد ترتيب معارفه وفق آليات منهجية أكثر قدرة وحيوية من ذي قبل .
3- كثيراَ ما يتعامل المرء مع الأشياء الواضحة،وكأنها أشياء مهملة، وينسى أو يتناسى أن على المرء أن يحمل بين ثناياه ما وضُِحَ، وبان ،أينما توجه،وإلاتتكسر المعرفة وتتشظ ،وتفقد لحمتها وترابطها، وبالتالي بعدها وعمقها الإنسانيين .
4 – قد تتحول بعض الأفكار أو المواضيع، إلى مجرد عناوين عريضة أو ماركات،دون أن تصبح جزءاً من النسيج العضوي للسلوك بين الناس،فينقلب ماهو بديهي إلى نقيضه تماماً ويتحول إلى مسألة مهمشة، فارغة من أي محتوى.
وقد يبدو النص وكأننا نحاول من خلاله أن نتحدث عن كل شيء دفعة واحدة، أو أننا نبتعد عن الفكرة التي تشد النص وتحافظ على تماسكه، لكننا تعمدنا إظهار أن العقل واحد أينما تنقل ولا يجوز له أن يناقض نفسه أثناء مناقشة مسألة تحرر المرأة وانتقاله لمناقشة مسألة تتعلق بالفن التشكيلي،أو الموسيقى مثلاً . وإن هذه المسألة لا تتعلق بمدى امتلاكنا لخبرات، أو معارف متنوعة ، بقدر ما تتعلق بيقظة ، وحضور ،وحيوية ملكة الفهم لدينا.
وإن كل ما سبق لا يتناقض مع وجود حقائق وجلاءات مركبة يراها الإنسان أو يلتقطها، أو يصبو إليها، ويكون فيها ما هو غامض ،جزءاً طبيعياًً وعضوياً ومكملاً لما هو جليٌ وواضح، والحقيقة المركبة تدفعنا إلى القول :
إن ما لانفهمه، يجب ألا نعرض عنه ونغمض عيوننا تجاهه، ونكتفي بما بين أيدينا فقط ،فهذا قد يكرس وضعاً قائماً، ظاهره معقول، وحقيقته تكريس لما لا يعقل . لكن فهم شيء ما ، يجب أن يتم عبر أدوات مناسبة ، والموجود بذاته هو الذي يحدد لنا أدوات تحديده. فالكائنات الصغيرة لا يمكننا تعيينها إلابالمجهر مثلاً .
كذلك الأشياء البعيدة قد تحتاج رؤيتها إلى منظار فلكي ، وساعات خاصة للمراقبة . ومن الأشياء ما نستدل عليها بالآثار . أو بالتوقيع الاستقرائي أو بحالة من التبصر أو التكشف المفاجئ.
وإن من تعودت أذنه على الطرب والتطريب كمحدد ومعين- بكسر الياء- للموسيقى ، لن يتذوق صوت آلة الغيتار التي تختلف محدداتها الجمالية عن محددات آلة العود. وإن من اعتاد على عد خجل المرأة عنصراً جمالياً ، لن يستطيع أن يرى الجمال في امرأة تحاور رجلاً كندٍ له . ومن اعتاد الفن كخطاب يلامس الشعور ملامسةَ عاطفية خارجية لن يستطيع تقبله كلغة تتوجه إلى العمق .
والفن بداخليته ونواظمها الخاصة يأتي ليكسر هذه المحددات والروائز وينفلت منها جالباً معه أدوات معرفية جديدة تمكننا من التعرف على هذا القادم من اللامحدود . يقول بودلير :{ إن الظلمات ذاتها هي كواكب تحيا فيها مخلوقات لاتراها العيون الأليفة بينما تتراءى لعيني منها آلاف لا تحصى }
ورامبوأيضاً : { أفي هذه الظلمات التي لا قرار لها ، ترقدين ، وإليها تهاجرين يا ملايين الطيور الذهبية، أيتها القوة القادمة } هنا تصبح العتمة حاملة للنور ، والظلام سبيلنا إلى اكتشافه.
والفن يُِظهر لنا أن العوالم الحقيقية عصية على التملك ، فهي لامتناهية وتظهر نفسها لنا تباعاً عبر مسافات من الغموض البهيج ، تلك العوالم التي لن تسمح لعقل اعتاد على الربح السريع ، والفهم السريع ليراكم رأسماله من خلال سوق استهلاكية محمومة بكل أنواع البضائع ، لن تسمح له أن يتلقفها بأدواته القابضة تلك في عالم يحاول أن يسحق الفرد ويشيئه ويعدم أحاسيسه ويقبض على روحه ويعزل ماهياته الحقيقية،ويحدده بما يملك وينفق ويستهلك فقط .
دون أن يكلف نفسه عناء التجربة ،ومكابدة السفر والارتحال وهنا فإن الفن يأتي ليشكل عالماً موازياً ومضاداً ، يجعل الإنسان يحتفظ بشيء من كرامته وماهيته المتطلعة نحو الجمال والانعتاق ،والتحرر من ضغوطات العالم المادي ، وبهذا المعنى يقول ت.س.إليوت [إن أثر الفن بعيدٌ في تصفية إحساسنا ، وجعلنا أقدر على الفهم . . إنه إحداث ثورات في الإحساس يحتاج إليها الإنسان،فهو يساعد على كسر الإطار الذي لا ينفك يتكون حولنا في مقاييس إدراك الأشياء ،والحكم عليها ]
وأحياناً يكون كفاية لنا أن يداعب العمل الفني مخيلتنا وينشطها وأن يمدنا بطاقة تفيض لذاتها ،
ولكنها تحصننا ضد هذا القبح الذي يحاول فرض نفسه علينا بوقاحة تفوق الوصف.
والفن عموماً هو حالة مكثفة من الوعي، لكنه وعي تجاوزي تطلعي بالضرورة ، وتفرده واستقلاليته هما شرطه الضروري للتحقق .
وإذا كان المعنى هو قصد الوعي ، فإن الفن هو الوعي وقد ألغى ذاته ليتمكن من اختراق حدوده المألوفة، واكتشاف ما وراءها وهذا الجدل القائم بين التحقيق والتخيل، بين المعقول واللامعقول ، هو قدر الفن ، وقدر الإنسان الخلاق معاً .
وإذا كان الفن لا يكتمل إلاببعده الاجتماعي ، وبعلاقته مع الآخر[الجمهورٍ] مثلاً . فيجب ألا يغيب عن ذهننا أن إمكانية الفن وقدرته على الرفض و التطلع والتغيير، تطال جمهوره نفسه أي تطال وعيه وتنال منه ، وبذلك فإن العلاقة بين الفن والجمهور علاقة تحتوي على شيء من التعارض ، أو التناقض أحياناً ،وهذه المسألة يجب ألا ترعبنا ، فهي التي تتيح للفن أن يطور نفسه باستمرار، وتتيح للجمهور مسافة ليقف مع نفسه من خلالها كذلك ، حيث الحقيقة التي نكتشفها بأنفسنا ، هي الرصيد الحقيقي لمعارفنا ، هي ملكنا حقاً ، بينما الحقيقة التي تُقدم لنا من الخارج دون جهد منا ، تبقىغريبة عنا ، لذلك كان لا بد من مسافة تفصل بين الأنا والآخر كي يتاح لكل منهما اكتشاف حقائقه.
ومهما بدت علاقة الفنان بالجمهور واهية، فهي تتواصل بالعمق تواصلاً وثيقاً ، ومعرفة ذلك مسألة بحاجة للاجتهاد ، وللزمن الكافي لإدراكها .
والفن وهو في أشد حالاته حيادية ، أبعد ما يكون عن الحياد لأنه لا يستطيع إلا أن يكون في قلب الصراع ، ولكن بخصوصيته هو ، وشروطه هو ، وإلا فلا يعود فناً .
صايل الكفيري . السويداء . ناقد أدبي و فنان تشكيلي .

