Home / الصحة والتطوير الذاتي / الشخصية والنمو الاجتماعي في مرحلة الطفولة المتوسطة 2

الشخصية والنمو الاجتماعي في مرحلة الطفولة المتوسطة 2

(من السنة الخامسة حتى الثانية عشرة)

الأهمية المتزايدة لفئة الأقران

يغدو تفاعل الأطفال خلال سنوات المدرسة الابتدائية جزءاً هاماً من حياتهم فيشكل هؤلاء نتيجة لتلك التفاعلات مدركات جديدة حول ذواتهم كما تتحدد شعبيتهم بين فئة أقرانهم ويكونون أساليب تعاملهم مع الناس بصورة مرنة أو جامدة خضوعية أو تسلطية ويعانون إحساساً بالانتماء الاجتماعي أو بالاغتراب. وهذه الأحداث تلقي أثراً في شخصية الطفل يبقى إلى حياة المراهقة والرشد.

إدراك الذات والشعبية:

يغدو تلاميذ المدرسة الابتدائية واعين للمميزات الذهنية والعضوية والشخصية لزملائهم وتتعرف فئة الأقران على أعضائها طبقاً لسماتهم البارزة فتكون تسمية التلميذ من جانب أقرانه باسم جديد تعبيراً صريحاً لتقييمهم له. وليست عبارات: (دب) (لقلق ) (أبو أربع عيون) وغيرها سوى غيض من فيض من أسماء يطلقها الصغار على بعضهم طبقاً لمميزاتهم البارزة. فالأولاد في هذه السن يقضون وقتاً طويلاً مع بعضهم لذا فإنهم لا يستطيعون مغالبة ذواتهم في أن يروا بعضهم بعين الفئة. وقد أكدت الدراسات الميدانية المعاصرة قيام علاقة وثيقة بين مفهوم التلميذ عن نفسه وبين إدراك أقرانه له. تعمل الفئة إذاً مرآة تعكس للولد صورته عن ذاته وتلصق بعض القيم بصفات أعضاء الفئة وتعطي للعضو مكانة اجتماعية نتفق وتلك القيم والسمات. وعلى الرغم من أن القيم تختلف وتتغير تبعاً للعمر والجنس والطبقة الاجتماعية فإن بعض السمات تقود دوماً إلى الشعبية والمكانة الاجتماعية الرفيعة أو إلى الرفض والمكانة الاجتماعية الوضيعة. تشير بعض الدراسات إلى ميل الأولاد الشعبيين بين أقرانهم لأن يكونوا وديين واجتماعيين وفعالين ولأن يخضعوا لمعايير الفئة ويعاملوا الآخرين بلطف وتقبل وتحسس لحاجاتهم. إضافة لذلك فإن الشعبيين من التلاميذ يكونون حسني التكيف نفسياً ويحظون برضى أهلهم عنهم. أما التلاميذ غير الشعبيين فيميلون إلى الخجل والانسحاب وتجنب الفئة أو الاستثناء من الاشتراك في فعالياتها. وعادة ما يعامل هؤلاء الأولاد الآخرين بلا مبالاة وحقد ورفض ويعانون من عدم الراحة سواء في البيت أم في المدرسة.

ولا شك أن التحصيل المدرسي والذكاء يؤديان دوراً كبيراً في تشكيل شعبية التلاميذ فالتلاميذ الموهوبون والمتفوقون دراسياً أكثر شعبية من أقرانهم الأقل ذكاء وتحصيلاً كما أن بنية التلميذ تؤثر في شعبيته أيضاً ويبدو أن التلاميذ وبدءاً من الصف الأول يفضلون متوسط البنية على نحيلها.إلا أننا مع ذلك يجب أن نكون حذرين من التعميم في هذا المجال. من جهة ثانية لا بد من الإشارة إلى أن العوامل المكونة لشعبية التلميذ لا تنحصر بسماته الفردية ومميزات شخصيته فقط بل بمكانته الاجتماعية بين أقرانه. وبكلمة أخرى يمكن للمكانة الاجتماعية الرفيعة أن تكون السبب والنتيجة للسلوك الاجتماعي التكيفي.

الفردية والخضوع:

تكون اساليب الأولاد في التعامل مع الآخرين والبحث عن تقبل الأقران جزءاً مكملاً لشخصياتهم. ويتحرك تلاميذ المدرسة الابتدائية عادة بسهولة عبر العلاقات التفاعلية إذا كان عندهم إحساس متين بالثقة وبالذات. ويحس هؤلاء بالارتياح في المواقف الاجتماعية ويكون لهم نمط تفاعلي مرن يمكنهم من التعايش مع عدد متباين من الناس دون أن يمس ذلك بفردياتهم المتميزة. إلا أن الفردية كغيرها من جوانب الشخصية ظاهرة نمائية قابلة للتغير. وقد وجد كوستانزوشو في دراسة تجريبية عن الفردية والخضوع أن ميل الأولاد للتأثر بآراء أقرانهم يتزايد بدءاً من الصف الأول وانتهاء بالسادس. ويستقر مستوى تأثير الأقران بالناشئ خلال المدرسة المتوسطة ثم ينحدر متناقصاً خلال المدرسة الثانوية. وعلى الرغم من الاعتقاد السائد بأن المراهقة وليست الطفولة المتوسطة هي التي تمثل قمة التبعية للفئة فإن العديد من الدراسات الأخرى تؤكد نتائج كوستانزوشو خاصة في أن تأثير الفئة يبلغ مداه الأعظم في نهاية المدرسة الابتدائية ويبدأ بالتناقص بعد ذلك فوراً. وقد تعطي أفعال المراهقين من مثل لبسهم وأذواقهم انطباعاً خاطئاً عن خضوعهم الجامد للفئة. إلا أن هؤلاء يبقون خاصة بأفكارهم ومشاعرهم وأفعالهم فرديين تماماً أو يبقون أكثر فردية من صغار الأطفال ويتأثرون بالناس والحوادث البعيدة عنهم أكثر من تأثرهم بالناس والحوادث من حولهم.

يتوقف حجم الأثر المنزل من فئة الأقران على عدد من العوامل. (1) يزداد الأثر المذكور بازدياد الوقت الذي يصرفه الأولاد مع بعضهم في اللعب وممارسة الفعاليات المنتظمة خارج المدرسة (2) يزداد أثر الفئة في التلميذ كلما ضعف ارتباطه بأهله (3) يكون التلاميذ الذين لهم مكانة رفيعة في الفئة أثر في اتجاهات الفئة وسلوكها أكثر من نظيره لدى الأولاد ذوي المكانة لاجتماعية الوضيعة في الفئة بالتالي فإن الأولاد ذوي المكانة الوضيعة أكثر عرضة لتأثير الفئة من أندادهم الشعبيين أخيراً يزداد تأثر التلميذ بفئته بازدياد غموض الموقف وبانعدام السياق الواضح الدال على الفعل.

يستطيع أغلب تلاميذ المدرسة الابتدائية أن يجمعوا بين صفتي المرونة والفردية في طرق ارتباطهم بالآخرين مع قدر معقول من الخضوع للفئة وأولئك الذين لم يعدوا جيداً لكي يتعايشوا بمرونة مع أقرانهم يميلون لفرض بعض أنماط العلاقات الشخصية الجامدة والفجة. وتنمو تلك الأساليب الجامدة الفجة عندما يحاول الولد التعويض عن رفض فئوي متوقع بالركون الجامد لبعض الأدوار الاجتماعية غير التكيفية حتى ولو كانت النتيجة هزيمة محققة للذات. نذكر من الأنماط التفاعلية غير التكيفية ماسح الجوخ والمهرج والأرعن والمتزمت بثياب الراشد يبحث الأرعن عن الأطفال الأصغر منه الذين يستطيع السيطرة عليهم الأمر الذي يساعده على التخلص من مشاعر العجز التي تغمره عند مقابلته لطفل من سنه وحجمه أما المهرج فإنه ينزل بنفسه الدعاية ليكسب انتباه الأقران الذين يشعر أنهم سيتجاهلونه كلياً لو لم يفعل ذلك بنفسه. ويستخدم ماسح الجوخ رشوات مبالغاً بها لشراء الصداقات التي يعتقد أنه يعجز في الحصول عليها بسبل أخرى. يتعرض كل من المهرج وماسح الجوخ لضرب من الإذلال الذاتي يدفعانه ثمناً للهروب من عزلتهم وكلاهما يلبس ثياب الذل كبطاقة تؤكد ملاحظة الأقران لهم. ويستخدم المتزمت في ثياب الراشد تلك الأساليب كلها سعياً وراء كسب رضى الراشد الكبير ومكافآته والمألوف أن يعايش هؤلاء معلميهم وأصدقاء أهلهم ويعجزون عن معايشة أقرانهم. وبالمقابل فإن الراشد يتأثر بوجدانية هؤلاء وتصميمهم واحترامهم للكبار وثباتهم العاطفي إلا أن هذه الظاهرة لا تخرج جميعها عن أن تكون قناعاً مزيفاً يخفي الفجاجة العاطفية لهؤلاء وعجزهم الفاضح عن إقامة علاقات الأخذ والعطاء مع الأقران.

الانتماء والاغتراب:

تمثل العلاقات التفاعلية في الطفولة عاملاً هاماً في تحديد ما إذا كان الطفل سينمي إحساساً بالانتماء أو الاغتراب. وتمكن للصداقة في المدرسة الابتدائية التلميذ من الإحساس بأنه ينتمي لمجتمع يتخطى أسرته الخاصة. والغالب أن يتسع هذا الإحساس ببدء الطفل المساهمة في الفعاليات المختلفة للحي والجوار مثل عصابات الزوايا وجماعة الحي والكشافة والنوادي وغيرها. وقد بلغت عضوية أربع من منظمات الأطفال في عام 1997. في الولايات المتحدة 11 مليوناً وهو ما يساوي ربع أطفال تلك البلاد في السن التي تغطيها الدراسة. ولاشك أن تلك المنظمات تقوي إحساس الأولاد بأنهم جزء من مجتمع أوسع من مجتمعهم الراهن فهي بذلك تسهم في توفير الإحساس بالانتماء للأولاد الذين يعانون ضرباً من الرفض في مكان ما.

من طرف آخر فإن الأولاد الذين لا يتقبلهم أقرانهم والذين لا يتقبلهم أقرانهم والذين لهم فرص محدودة للمساهمة في فئات الحي والجوار غالباً ما يشعرون بالاغتراب عن مجتمعهم. والاغتراب بالأساس هو مشكلة للمراهقين الذين يرفضون القيم الاجتماعية السائدة ويعجزون عن أداء أدوار ذات معنى. غير أن الاغتراب يبدأ خلال سنوات العزلة والوحدانية للطفولة المتوسطة وينبع عن عدم توفر الفرص الملائمة لتعلم قيم المجتمع الكبير أو لتعلم أن هناك مجتمعاً أوسع من أسرة الطفل وعليه أن يكون جزءاً منه.

التغيرات في بنية علاقات فئة الأقران:

إن علاقات فئة الأقران خلال مرحلة الطفولة المتوسطة تتحول بالتدريج إلى علاقات منتظمة وتتخذ في أواخر هذه المرحلة طابعاً ملزماً وشكلياً ففئة الملعب مثلاً التي تتشكل من أبناء السادسة والسابعة والثامنة تخضع لعدد محدود من القواعد وتضم كل من يمكن أن يكون على الرصيف أو في زاوية الشارع في وقت ما. إلا أن الميل المتزايد إلى التنظيم الفئوي بين السنتين العاشرة والحادية عشرة يفرض العضوية الثابتة في الفئة والخضوع لقواعدها ويؤدي النضج الادراكي والعقلي للتلاميذ في هذه السن إلى ممارسة فعاليات فئوية ذات أغراض محددة. فللفئة الآن اهتمامات مشتركة وخطة مشتركة. وينتظم أبناء العاشرة والحادية عشرة في جمعيات ونواد ذات أنظمة خاصة. ويخطط هؤلاء مسبقاً للكثير من فعالياتهم مثل بناء القلعة والذهاب للسينما والاعتداء على السيارات أو زيارة الحانات ودكاكين الحلوى. وفي الوقت نفسه يعمل الصغار على تثبيت عضويتهم وفرضها على المشاركين واستثناء غير الأعضاء منها.

إن الارتباط الفئوي في أواخر مرحلة الطفولة المتوسطة ينمي إحساس الأعضاء بالانتماء وتكون الفئة في الوقت نفسه مدرسة تعلم أعضاءها المهارات الخاصة وتساعدهم على تعلم العمل مع الآخرين من أجل تحقيق الأهداف المشتركة. ولاشك أن عللا الأعضاء القياديين في الفئة أن يتجنبوا السيطرة المطلقة على بقية الأعضاء إن كانوا يريدون المحافظة على بنية الفئة لأن القيادة التسلطية تخلق الصراع الداخلي الذي يمزق الفئة فئات متصارعة.

الصداقة بين ولدين:

يطرأ خلال مرحلة الطفولة المتوسطة تغير آخر في بنية العلاقات التفاعلية يتمثل في التحول من الصداقات العامة بين الأولاد إلى صداقة خاصة بين ولدين. كان سولفين أول من أشار إلى دور هذا النوع من الصداقة في نمو الشخصية وعد العلاقة الوشيجة بين شخصين المحدد الأهم من سواه لتكيف هذين الشخصين. وعادة يكون الصديقان في اواخر مرحلة الطفولة المتوسطة من الجنس نفسه ويقضيان معظم أوقاتها معاً فيذهبان للمدرسة معاً ويلعبان معاً ويأكلان معاً وينامان في بيت أحدهما ويشاركان بعضهما أعمق آمالهما ومخاوفهما. وهذا النوع من الصداقة أكثر ثباتاً واستمراراً من صداقات الفئة الصغيرة من أبناء العاشرة إذ تتغير عضوية تلك الفئات بسرعة بدخول أعضاء جدد وبهجر الأعضاء القدامى لها. إضافة إلى ذلك يوفر هذا النوع من الصداقة تدريباً هاماً وفهما لمتطلبات العلاقات الدائمة الثابتة في الحياة اللاحقة. فالأطفال الذين يعجزون عن ممارسة الصداقة الحميمة قبل المراهقة قد يشعرون بقصور في شخصيتهم وهذا ما يمكن أن ينعكس عليهم خلال المراهقة والرشد وربما يعجز من لم يمارس الصداقة مع أحد أفراد جنسه عن أن يواجه التحدي الكبير لإقامة علاقات عاطفية مع واحد من الجنس الآخر خلال المراهقة والرشد (هارتوب 1974).

عن موقع: kids-psychology

 

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *