نَسَبُهُ:
هو خليل بنُ معروفٍ بنُ عِمرانَ بنُ رمضانَ بنُ مُحَمَّدٍ (أبو شعبان) بنُ إبراهيمَ ” قرية كلبو” بنُ م مُحَمَّدٍ ” قرية الرَّيحانة” بنُ جمال ” قرية بشْمان” بنُ سلمانَ ” قرية الرُّوَيس” بنُ يوسفَ ” قرية مَتْوَر” بنُ عبدِ اللَّهِ ” قرية مَتْوَر” بنُ يوسُفَ، وَيمتدُّ إلى الأميرِ حسَن ابنِ الأميرِ يوسُفَ بنِ المكزون السنجاري ابنِ الأمير خضر ابنِ الأمير طرخان، ويمتدّ إلى أبي الحسَن رائق بنِ خضرٍ الغسّاني —————–(قدَّسَ اللَّهُ أرواحَهُم).
وُلِدَ الشيخ خليل في قرية “زاما – مَتوَر” حوالي عام (1151هـ – 1738م)، وتُوفِّي سنة (1231هـ – 1818م)، وَبُنِيَ على ضريحه قبّة في قرية مَتْوَرْ – جبلة سنة (1240 هـ – 1824م)، ولم يتزوَّج أبداً.
كان أبوهُ الشَّيخ “معروف” شَيخاً زاهِداً يتعبَّدُ ليلاً نهاراً، تُوفِّي الشيخ معروف، وكان الشيخ خليل صغيراً، ثمّ تُوفِّي أخوهُ وأخته وعمّته (بفاصلٍ زمنيٍّ قصيرٍ).
كانت إقامة الشيخ خليل في قريته حيثُ شاهدُ الأهوالَ؛ مِن ظُلمِ الحُكّام، ومنهُم مسؤول تحصيل الضرائب (خرساني آغا).
ثمّ أقام فترةً من الزَّمن عند الشيخ خليل بن الأدهم المعروف بعدلِهِ وتسامحِهِ.
ثمّ أتاهُما مُحصِّل الضرائب ظالِمٌ، وصعبٌ المزاج يُدعى “بانيدا آغا”، فقد طالب الشيخ خليل وأخيه الشيخ علي بدفع الضرائب المتراكمة عليهما، ومِقدارها سبعين قِرشاً عثمانيّاً، ولمّا لم يحصَلْ منهُما على أيّ جوابٍ قامَ بمصادرة محتويات بيت كلٍّ منهُما مع مواشيه وهدَّدَهُما بالسجن.
ثم انتقل إلى قرية “فلسقو”، وفي إحدى الليالي المظلمة من سنة (1170هـ – 1756م) رحل الشيخ خليل مع أخيه الشيخ علي إلى قرية البيري (بيرة الجرد). أمّا الشَّيخ خليل، فاستمرّ في تنقّلِه، ولجأ إلى جبل الحلو، وهناك صار عملهُ حراسةُ بستانٍ، فيه جميع أنواع الثمار، وقد حرَسَه بأمانةٍ، واشتغلَ في ذلكَ البستان كأيِّ عاملٍ عادي، فحرثَ الأرضَ وسمَّدَها وعشَّبَها وسقاها. فازدادَ نَتاجُ البستان وازدادَ تعلُّقُ المالكِ لَه بعدَ أنِ اكتشفَ أمانتَه، حيثُ أنّ الشَّيخ خليل (ق) وطوال سنوات عملِه في البُستان لَم يَذُقْ ثمرةً واحدةً، حتّى دعاهُ المالكُ الذي دُهِشَ لأمانتِه، وبعد أن عرفَ أنَّ هذا العامل هو الشَّيخ خليل النُّميلي (ق) طلبَ منه أن يُسامِحَهُ، وأصرَّ أن يقبلَ مبلغاً مِنَ المالِ، وألحَّ في ذلك، فاضطُرَّ الشَّيخ خليل لقبولِه. وكان أول عملٍ قام به؛ مساعدته أخيه الشَّيخ علي الذي سكن في قرية “البيري”؛ نظراً لفقرِه الشديد. ثم توجه إلى مقاطعة “حصن الأكراد”، ونزلَ في قريةالصويريّ، وسكنَ في قرية “روَيسة الحايك.
وقدِ استضافَتْهُ قرية “حدية – حمص “، وعمَّرت له منزلاً بين أشجار الصنوبر. ” ثمّ ذهبَ إلى قرية “الصفيفات” ونزلَ في مضافة شيخها “الشيخ يوسف الصويريّ”/وهذا الشيخ أمَّن له مطاليبه ومسكناً/ حيث تحسَّنت أحواله وشعر بالسّعادة والأمن والاستقرار، وظهرت عليه بوادر النِعمة، فقام حاكم حصن الأكراد “دندش آغا” بفرض ضرائب باهظة عليه ظُلماً وعدواناً بحيث لا يستطيع دفعها، وأمر بمصادرة أملاكه، فاضطُرّ للهجرة سنة (1172 هـ – 1758م) إلى بلاد حماة، حيث استقرّ في قرية “خربة القبو” لمدّة ثلاث سنوات، وشعر بالأمن والاطمئنان خلال هذه الفترة القصيرة التي لم تستمرّ نتيجة هجوم البدو على المنطقة من الشرق وكانوا من عرب الموالي ورئيسهم “محمّد الخرفان” ما أجبره على الرحيل إلى مكان آخر أكثر استقراراً وأمناً، فحَطَّ رحاله في قرية “المحفورة”، وكانت إقامته في هذه القرية عدّة سنوات، وبعدها أتى من حمص “ابن العكش”، وكان ظالماً، وفاجراً، وشرّيراً، ومغروراً، فرَضَ هذا الحاكمُ ضرائبَ باهظةً لا يستطيع دفعها ومِقدارها ألف قرش عثماني، وكان هروبه سنة (1180هـ – 1766م)، وتوجّه إلى “صافيتا” حيث استُقبِل مِن قِبل حاكِمَيْ صافيتا “الشيخ درويش وابنه الشيخ محفوض” بكلّ حفاوة وتقدير، ومنذ ذلك الحين استقرّ الشيخ خليل في بلاد صافيتا عشر سنوات عند “آل شمسين” الذين أحبّوه واستمعوا إلى فتاويه ونصائحه وتوجيهاته المستمَدّة من القرآن الكريم والحديث الشريف لحلّ مشاكل جميع الأهالي ومساعدتهم وتقديم العَون المادّي للمحتاجين والفقراء.
وصرف الشيخ خليل تفكيرَهُ نحوَ المجاهدين الذين تُلاحِقهم السلطات العثمانيّة، وقدّم لهم ما تيسّر مِنَ المالِ للاستمرارِ في الجهاد.
ومن ثمّ امتدَّ تفكيره إلى “الشهداء” الذين قَضَوا دفاعاً عن الوطن والعقيدة الاسلاميّة، فشيّد جامعاً للملك “جعفر الطيّار” – وقدِ اختارَ مكاناً مرتفعاً حوالي 1500 متراً عن سطح البحر، ومن هذا الموقع يُمكن دحر جيش تركي كبير ولو بالحِجارة. وبفضل مؤازرة الأهالي؛ استطاع الشَّيخ أن يبنِيَ هذا المسجدَ بسرعةٍ قياسيةٍ. وصار مُلتقى المجاهدين، ولمجالس العلماء للتداول والتشاور. وأصبح المسجدُ معقلاً للثوّار وملجأً للمجاهدين، وأخذ يتلقّى المساعدات والتبرّعات من الناس، وكان ينفقها جميعاً؛ لإمدادِ المجاهدين بما يلزَم، ولإطعام الفقراء.
وقد تعرّض الشيخ خليل لمضايقات العثمانيّين، فكان يدعو إلى رصّ الصفوف وتوحيد الجهود في مجابهة العدوّ الغاصب، فكلّما أشعل العثمانيون فتنةً طائفيّةً كان الشيخ يبادر إلى إطفائها بسرعةٍ ماهرةٍ، وعلى سبيل المثال قام بإصلاح ذات البَين بين (تل كلخ، وطرابلس والدريكيش) عندما أرادتِ السُلطةُ العثمانية أن تؤجِّجَ نار الفِتَن، فأثارت علي بك الأسعد ضدّ “بيت شمسين” (الدريكيش).
وأثارت “دنادشة تلكلخ” ضدّ “علي بك الأسعد”، فأسرع الشيخ وآخى بين هذه البيوتات وأزال الخلافات ووحّد الكلمة بين هؤلاء.
ومن أعمال الشيخ خليل بن معروف:
– التوسُّط مع بيت شمسين للافراج عن أولاد علي بك الأسعد المُعتقلين من قِبل البدو في شرق مقاطعة حصن الأكراد.
يقول الشَّيخ حسين ميهوب حرفوش (ق): “وبعدها أتى من بلاد عكّار رجُلٌ حاكِمٌ يُقالُ له علي الأسعد، فجمع قوَّةً وغزا الأعرابَ وطردَهُم، وضبطَ الأمن، وأمر بعمارة البلاد، واتّجه إلى طرابلس يُديرُ حكومتَها، وتركَ أهلَه، فاعتدى خصومه عليه، وأغاروا على محلّه وأسَروا عيالَه. ولمّا لَم يَجِد من مُناصرٍ، فطلَب مناصرته من آل شمسين والاتحاد معهم للنجدة عن طريق الشَّيخ خليل النميلي (ق).
وفي “مذكّرات الشَّيخ خليل، وشِعره يقول: ويطلُبُ نجدَتَهُم وصَفحاً لِما مضى
ومـــــــــــــا سَــــــلَفَت لَهُ مِن مآثِمِ
هُمُ آلُ شمسين الأُلى ســادَ ذِكرُهُم
بفِعلِ الجميـــــــلِ وطاعةِ اللَّهِ دائمِ
وبفضلِ جهودِ الشَّيخ خليل (ق) صفحَ آلُ شمسين عمّا جرى من علي الأسعد، وأتَوا إلى قلعة الحصن وأطلقوا سَراح الأسرى.
ومن أعمالِ الشَّيخ خليل أيضاً: النجدة التي قدَّمَها للسيدة “بدعة” التي قتلَ الأتراكُ زوجَها، وسيطروا على منزلها وأملاكها، ولم يبقَ لها ملجأ أو مأوى، فاتَّجَهَت إلى الشَّيخِ خليل وطلبَت معونتَه، وعلى الفَورِ توجَّه الشَّيخ خليل إلى آلِ شمسين، وطلبَت منهمُ مساعدتها، فقدَّموا لها مُساعدات ضخمة من أراضي وأموال مِمّا يزيد عن حاجتِها.
ومن أعماله أيضاً نجدة السيد محمَّد عمران من آل الدرويش.
ومن أعمال الشَّيخِ خليل النُّمَيلي:
– بناء مزار الشهيد “محمّد عبد الله الحميدي المصري “في مركز صافيتا الذي ساهم المسلمون العلويّون والمسيحيون في بنائه سنة (1231هـ – 1815م)
– تشييد مقام “الخضر” (ع) في تلّة الخضر في صافيتا.
وهكذا يتّضحُ من هذه السيرة العطِرة للشيخ خليل بن معروف أنّه لم يَسَبِقْهُ أحَدٌ إلّا جدُّهُ “المكزون السنجاري” في الالتحام مع الجماهير الشعبية على امتداد أربع محافظات (اللاذقية + طرطوس + حمص + حلب)، وإلى العراق توطّدت علاقته مع شيوخ جميع هذه المناطق.
وكان يتردّد على أخيه الشَّيخ علي (ق) في قرية “بيري”، فكان غيوراً على أقربائه وبالأخصّ لأخيه، ثمَّ لِعَمِّهِ الشَّيخ حسن النميلي (ق) المُلقَّب بالسلطاني، وعمّه الثاني الشَّيخ رمضان النميلي (ق)، وشخصية ثالثة كبيرة ومشهورة هو الشَّيخ سلمان بيصين (ق)، فهو صديقُه الحميمُ، والمَلاذُ له عند الشدائد، يحمي ظهره ويشُدّ أزره، ويُشاركُه مشاركةً فعّالةً في حماية الجماعة من الاستبداد والظلم والجور الذي يُمارسُه الأتراك.
وكانت له علاقات وطيدةً مع الشَّيخ ياسين (جَدّ بيت الشَّيخ يونس)، والشَّيخ إبراهيم قرمس، والشَّيخ إبراهيم غريب، والشَّيخ سلمان المزارع، والشَّيخ محمَّد حمدان (اللغوي)، والشَّيخ حمدان الكلبي، والشَّيخ علي الخيِّر، وغيرهم الكثير.
——————-(قدّسهمُ اللَّهُ أجمعين).
مِن توَسُّلاتِه:
أُناديـهِ بالأســــرارِ مِنْ غـــامِضِ الحشا
بأسمــــــــائك الحُسنى العِظامِ وسِرِّها
أَجِبْ طَلَبَنا يـــــــــا مالِكَ المُلكِ والدُّعا
إليـــــك اللَّجا وأنتَ الرَّجــــا في الورى
فيــــــا مَن تَعنــــــــو لهُ وُجوهُ العَوالِمُ
بالأربـــــــــعِ الكُتُبُ الفِضــــالِ العظايِمُ
وخَلِّصنــــــــــــا مِنْ موبِقــــــاتِ المآثِمُ
وحاشــــــــاكَ عنْ مخلوقٍ يا ربُّ واهِمُ
مِن وصايا الشَّيخ خليل النميلي (ق) يوصي بها إخوانَه المؤمنين:
“الحمدُ للَّهِ الذي أنعمَ بالهدايةِ على أهلِ البصائر، وجعلَ معرفتَه سبيلَ النجاةِ للعارِفين، ونوراً وضِياءً للمُستَبصرين، وهدايةً للمُستَرشِدين، وأنزلَ في كتابِه المُبين – الذي لا يأتيه الباطلُ مِن بين يدَيه ولا مِن خَلفِه تنزيلٌ مِن حكيمٍ حميد: {الذينَ يستَمِعونَ القَولَ فَيَتَّبِعونَ أحسَنَهُ أولئِكَ الذينَ هداهُمُ اللَّهُ وأولئكَ هُمْ أولوا الألبابِ}.
فوَجَبَ بهذا القولِ أنَّ الرجُلَ المؤمنَ الطالبَ النّجاةِ لنفسِه، والخلاص ِ من العذابِ أن يُحَلِّلَ ما حلَّلَ اللَّه، ويُحرِّمَ ما حرَّمَ اللَّه”.
وأوصى الشَّيخُ بِطَلَبِ العلمِ، فقال:
“قالَ الإمامُ الصادقُ (ع): العلمُ مُفتاحُ بابِ الجنّةِ، وإنّ العلمَ والعملَ أخوان مُتَّفِقان لا يقومُ أحدُهما إلا بأخيه”.
وأوصى الشَّيخُ بالحِلم، فقال:
“أحلَمُكُم عند الغضب؛ أقربُكُم إلى اللَّهِ منزلةً”.
ومِن وَصاياه:
“احذَروا العجلةَ؛ لأنّ السلامةَ في التأنّي، والترَوّي، وحُسنِ التدبير”.
وقال: “مَن ساءَ خُلُقه نفرَتِ القلوبُ منه”.
وقال: “أحَذِّرُكُم مِنَ الفحشاءِ والمُنكَرِ ما بطنَ منها وما ظهرَ، وأكلِ أموالِ الأيتامِ والأرامِل”.
وقال: “لا تُنقِصوا المِكيالَ، والميزانَ، والذراعَ. وإياكُم والنميمةَ والفِتنةَ والغِيبةَ. ومَن أطاعَ الشيطانَ وعصى الرحمنَ؛ مأواهُ جهنّم. واسألوا علماءكُم يُخبِروكُم عن أمورِ دينيكُم. فقَد قالَ الإمامُ الصّادقُ (ع): “العُلماءُ ظواهِرُ الأنبياءِ، والأنبياءُ بواطِنُ العُلماءِ.”.
وقال (ق) : “إيّاكُم ومُعاشرة الجهّال، وأوصيكُم بتِلاوَةِ القُرآنِ، وعليكُم بحفظ كتُبِ أهلِ البيت (ع)، ودَرس علومِهم، والقيام بحقوقِهم، وحافِظوا على الصلاة. وإيّاكُم والتكبُّر عنِ التعلّم والاستماع إلى العلماء العارفين. وإياكم ولعب القمار؛ فإنه سِمةُ الأشرار، ويُعقبُ البَوار.
وإيّاكُم والجِدال، والمناقشة والمُنازَعة والمُكاشَرة، والغِلّ والحِقد.
ولا تَنسوا الضُّعفاءَ والمساكينَ، واجمَعوهُم على المؤائدِ لِكَي تنالوا بدُعاهمُ الفوائدَ”.
عاشَ القُطبُ المُجاهدُ والعالِمُ العابِدُ الزّاهدُ الشَّيخ خليل (ق) في مرحلةٍ مِن أسوَأِ المراحلِ التي مرَّت على شَعبِنا، حَيثُ كان الأتراكُ يُلاحِقونَ الشُّيوخَ والعُلَماءَ، لذلكَ لَم يَتمكَّن هؤلاءِ العلماءُ مِن كتابةِ ما يُريدونَ كتابَتَه، ولم يتمكَّنوا مِنَ التعبيرِ عن آرائهم؛ بَل كانوا مُطارَدينَ مِن قِبَلِ الحُكّامِ الغاشِمينَ، ولذلك لم نتمكَّن مِنَ العثورِ على مُعظمِ تُراثِهم، ومؤلَّفاتِه١.
——————————————————
١ مواقفُ الشَّيخ خليل النميلي، صارم محمود صالح + من مدرسة أهل البيت، محمود عبد الرحمن آل عبّاس سلمان. (بتصرُّف)
(قام بترتيب المقال: زين العابدين رمضان)





