الشيخ المعلم محمود القصير
من شعرة الضهر إلى مجلس الصويري ومقام الحاطرية و اثنتي عشرة قنطرة *
في الحزام الجبلي الذي يصل القدموس بمصياف، بين الأودية والقرى المتناثرة على الصخر والسنديان، عاش في القرن الثالث عشر الميلادي رجل عرفته حلقة الشيخ علي بن منصور الصويري باسم المعلم محمود القصير، وعرفه أهل الجبل بعده بقرون باسم محمود بالقصير، وحفظت له كتب التراجم أبياتا من مديح الصويري نفسه، وقصيدة على حرف القاف يحمل متنها اسمه، ومقاما في قرية الحاطرية ما يزال قائما إلى اليوم. وكان محمود من رجال العلم الذين قامت عليهم الحياة الدينية والأدبية في الجبل: شيخا ومعلما وشاعرا، صاحب دار وضيافة ومجلس، اتصل اسمه بالصويري ونصر الفاخوري، ثم بقي ذكره حاضرا في شعر حسن الأجرود بعد عصره بنحو قرن ونصف.
الصيغة الأكثر استقرارا في المصادر هي محمود القصير، وتظهر إلى جانبها صيغ محمود بالقصير، وهي الأكثر تداولا ، ومحمود القصيري، وهي الصيغة التي تستعملها التغريبة الصويرية حين تسميه المعلم المتبحر الفيلسوف الشيخ محمود القصيري، إلى جانب المعلم القصيري والمعلم محمود القصير في مديح الصويري له. ويسميه خير الصنيعة أبا محمد، ثم يضيف العبارة الحذرة: «هو أبو محمد، قيل القضبون»، فدخلت القضبون في بعض النقول على سبيل الرواية، ثم شاعت عند إميل عباس آل معروف صيغة «الشيخ محمود القصير القضبون». وبالإنكليزية سجله ستيفان وينتر باسم Mahmud al-Qusayr في كتابه الصادر سنة 2016 عن تاريخ العلويين.
ويظهر إلى جوار محمود عدد من الرجال الذين تقاربت أسماؤهم واختلفت سيرهم. أولهم الرئيس محمود وإخوته أبناء بدر، أهل قرية جليتا، ومدحهم الصويري في قصيدة تؤرخها كتب التراجم بسنة 1278، وله في جليتا مقام يصفه الرواة بأنه حوش معمر يتوسطه صندوق حجري تحيط به أشجار السنديان. وجاءت ترجمة أبناء بدر في بعض المطبوعات قبل ترجمة محمود القصير بصفحات قليلة، فانتقل تاريخ المديح في بعض النقول إلى ترجمة القصير. أما التغريبة فتتعامل مع الشيخ القصيري ومحمود بن بدر رجلين مستقلين، وتجعل القصيري يكاتب محمود بن بدر وإخوته فيرد ابن بدر برسالة موقعة باسمه.
ومن الأسماء القريبة محمود الكلزي، ويقال الكلازي، من قرية كلز، وهو الرجل الذي طلب من الصويري إصلاح نسخته من الرسالة النورية وحضر إعادة تحريرها في العقد الثاني من القرن الرابع عشر، وتدور أخباره حول محمد بن المعلم جبرين ورحلات إلى العراق وأنطاكية. وتخص أخبار الرسالة النورية ومواعيد إعادة تحريرها محمود الكلزي، بينما تقوم صورة محمود القصير على الشعر وشعرة الضهر والحاطرية والتغريبة.
ويأتي محمود العليقة، واسمه الكامل محمود بن الشيخ شمس الدين النجائي، صاحب القصيدة التي تبدأ «هياكلنا نحو المقام تسير / وعاقلنا نحو المرام يطير»، وهي مرثية في إبراهيم بن شهاب الدين المينقي، وشهاب الدين من رجال القرن السادس عشر. وقد انتقلت القصيدة في بعض الصور الرقمية إلى محمود القصير بسبب تقارب الاسم واشتراك الشاعرين في بحر الطويل، مع أن زمن محمود العليقة ومناسبة مرثيته يضعانه في سيرة مستقلة.
ويظهر أيضا علي القصير، علي الصغير، ضمن قائمة تعرف برجال الدعوة وتضم حاتم الطوباني الجديلي، وحسن البر التويني، وغريب حريصون، وجابر ديدبان، وصبح الضويعي، وعلي القصير، ومسلم البويضة، ونور الدين، وإبراهيم الطرطوسي، وعيسى بن موسى، ومنصور الغرابيلي. ويحفظ هذا الاسم حضورا آخر للقب القصير في البيئة نفسها، من غير خبر يربطه بنسب محمود أو بوظيفته.
ويظهر محمود قصير آخر في نسب بيت جوهر بقرية قرفيص، ضمن سلسلة منقولة عن خط الشيخ حبيب الحسن من قرية المشتاية: جوهر من قرية قرفيص بن محمود القصير بن صالح بن بهاء الدين بن صفي الدين بن جوهر الأول من قرية العنازة بن حسن بن علي بن أحمد قرفيص بن جابر بن جبلة. وينتمي هذا العمود إلى زمن متأخر عن عصر الصويري، لذلك يخص محمودا آخر داخل بيت جوهر وقرفيص.
يظهر مبارك بن محمود الرئيس القصيري خليلا وقرينا لضاحي بن محمود آل الوحش، أحد تلاميذ الصويري، وتهدى إليه رسالة الجذوة العلوية المنسوبة إلى ضاحي، فيضعه ذلك قريبا من جيل تلاميذ الصويري ويفتح صلة أسرية ببيت محمود. ويظهر في هاتاي شيخ آخر باسم أحمد بن عبد الرحمن القصيري، Şeyh Ahmet Kuseyri، وله مقام في بلدة شنكوي؛ وتضعه الدراسات التركية بين 1488 و1498 في الميلاد إلى منتصف القرن السادس عشر، فتخصه سيرة متأخرة مستقلة رغم التشابه في اللقب.
تخلو ترجمة محمود من سنة صريحة لمولده أو وفاته، بينما تضعه علاقاته في النصف الثاني من القرن الثالث عشر، داخل حقبة نشاط علي بن منصور الصويري، مع امتداد إلى مطلع القرن الرابع عشر. فمجلس أسفين يقع في نافذة تدور حول 1265، ومسودة الرسالة النورية للصويري تعود إلى نحو 1291، وتحمل أرجوزة صويرية محفوظة في مانشستر تاريخ 1308، ثم تأتي إعادة تحرير الرسالة النورية بطلب من محمود الكلزي نحو 1316. ويقع محمود القصير داخل هذه الحياة الفكرية الممتدة، من غير تاريخ يسمح بتضييق فترة عمره أكثر.
شعرة الضهر وموطن القصير
يمثل خير الصنيعة لحسين ميهوب حرفوش، المتوفى سنة 1959، المصدر الجامع الأوسع لأخبار محمود في النسب والشعر والمكان. ويصف موطنه بعبارة مباشرة: «كانت إقامته في شعرة الضهر بين القدموس ومصياف، متوسطة، تبعد عن كليهما مدة ساعتين». وما يزال اسم الشعرة حيا في جغرافية المنطقة الجبلية المرتفعة التي تصل القدموس بمصياف، ويقارب ارتفاع بعض أجزائها ألفا ومئة متر. وفي المجال نفسه تقع الحاطرية، وقرية عين حسان، وموضع كاف الجاع، وبلدية الطواحين، وقرية حدادة، وهي أسماء ترسم الحزام المكاني الذي تتركز فيه أخبار محمود ومقامه.
وفي هذا الحزام يقع موقع أثري يحمل اسم القصير، وثقته دائرة آثار طرطوس ميدانيا سنة 2014 في زيارة نشرتها مدونة وطن إسيريا. يقع الموقع في الريف الشمالي الشرقي لناحية القدموس، في منطقة جبلية مرتفعة وعرة قرب الحدود الشمالية الشرقية لبلدية الطواحين، وعلى نحو خمسة كيلومترات شرقي قرية حدادة. وتظهر فيه بقايا معبد قديم أعيد استعمال حجارته في منشآت من العصر الإسلامي المتأخر، هذه المنشآت «بنيت لتكون مملكة الشيخ محمود بالقصير».
ويستدعي هذا الوصف صورة دار الفقه في التغريبة، القائمة على اثنتي عشرة قنطرة داخل المجال الجغرافي نفسه، فتلتقي الروايتان في الإشارة إلى عمران واسع ارتبط باسم محمود. وتظل «مملكة الشيخ محمود بالقصير» في الموقع الأثري ودار الفقه في التغريبة صورتين متجاورتين .
ويساعد اسم الموقع على فهم شهرة محمود. فالموقع الأثري نفسه أقدم من عصره بقرون، أما اسم «القصير» فقد استقر في التداول الجغرافي الذي وصل إلينا، ومنه تنفتح قراءة «محمود بالقصير» بمعنى محمود المقيم بالقصير، ثم «محمود القصير» و«القصيري» مع تحول الإضافة المكانية إلى شهرة ونسبة. ويظهر لقب القصير في البيئة المحرزية نفسها عند أحمد القصير، الذي يذكره كتاب قصص المؤمنين ونوادر المجاهدين أبا لموسى الحكيم، صاحب المقام في الشويهدات من أعمال الدريكيش والمشهور بالطب والمعالجة. ويحفظ هذا التكرار القصير اسما لموضع أو بيت في المنطقة، كما يفتح سؤالا عن صلة أحمد ومحمود بخط حامد الكيمة .
أشهر ما يروى في نسب محمود سلسلة تبدأ: محمود بن صبح بن حامد بن يعقوب بن حيدر الضهر بن بدر الغفير، ثم تصعد إلى شاكر وفضل الدين ومحمد حاكم مصياف والأدرعيين أمراء مصياف، وصولا إلى محرز الجيشي ومحمد بن مقاتل القطيعي. ويختم ناقلها بقوله: «إن صح، والله أعلم بالأنساب». وتضيف طرق نسب أخرى اسما بين حامد ويعقوب هو صالح، وتسمي حامدا «حامد الكيمة»، كما تظهر هذه الصيغة في وثيقتين نسبيتين متصلتين بنسب صالح العلي، فتتشكل السلسلة القريبة في أكثر صورها تفصيلا: محمود بن صبح بن حامد الكيمة بن صالح بن يعقوب بن حيدر الضهر بن بدر الغفير.
ويزداد اختلاف طرق النسب فوق بدر الغفير. ففي دراسة حامد حسن لوثيقتي نسب صالح العلي يظهر محمد بن مقاتل القطيعي في نهاية العمود على صورة أب روحي تلقى عنه محمد معز الدولة السلوك الصوفي، ثم دخلت هذه الأبوة الروحية في بعض النسخ ضمن تسلسل الآباء. ومن هنا تتداخل في الطرف العالي من المشجر صلات البيت المحرزي وسلاسل التلقي الروحي مع ألفاظ الأبوة والنسب، وهو ما يفسر اختلاف الحلقات من نسخة إلى أخرى.
أما بيت محرز فله حضور أميري معروف في تاريخ جبال الساحل. ويذكر ستيفان وينتر، اعتمادا على نص علوي من القرن الثالث عشر وخير الصنيعة ومصادر أخرى، بني محرز إلى جانب بني الأحمر وبني العريض، ويربطهم بالمرقب والكهف والقدموس. ومن رجال هذا البيت الأمير عبد الله بن جعفر بن محرز، صاحب القدموس المرتبط بأبي الخير الحداد، وناصح الدولة جيش بن محمد بن محرز، العالم والأمير الذي توفي نحو 1105 أو 1106 وبقي ضريحه في القدموس موضع زيارة عند العلويين والإسماعيليين. وتظهر في بعض المشجرات صيغة «محرز الجيشي»، وقد قرأها بعض الدارسين على أنها تركيب من اسم جيش بن محمد بن محرز.
وعند حيدر الضهر وبدر الغفير يحفظ التداول مقامين يحملان الاسمين: مقام الشيخ حيدر بالضهر في قرية معرين من أعمال جبلة، ويشرح الأهالي لقبه بوقوع المقام على ظهر القرية فوق تل، ومقام يرتبط باسم بدر الغفير في مجال بلدة الشيخ بدر. وتمنح هذه المقامات الاسمين حضورا في روايات المكان، بينما تبقى صلة الأبوة بينهما معتمدة على المشجرات؛ كما أن شعرة الضهر، موطن محمود، اسم جغرافي آخر مستقل عن لقب حيدر بالضهر.
وتكشف صياغة البشارغة كيف تغير الخبر مع إعادة نقله. فقد قال خير الصنيعة: «وعلى رأي من يعزى إليه من البشارغة»، ثم ظهرت في كتب متأخرة عبارة أكثر مباشرة: «من ذريته البشارغة». ومع تكرر النقل تحولت العبارة الحذرة إلى خبر يروى بصيغة الجزم، من غير إضافة وثيقة نسب جديدة إلى أصل الرواية.
البشارغة والقضبون
ترتبط بمحمود مشجرات نسب واسعة عند البشارغة، ويتوزع اسم بشراغي بين موضعين: بشراغي جبلة في جبال جبلة، وفيها مقام النبي يونس ومخطوطات أسرية مسجلة في مقامات تعود إلى منتصف القرن الثامن عشر، وبشراغي القدموس، وهي مزرعة تتبع قرية كاف الجاع في ناحية القدموس وعلى مقربة منها جبل القضبون. وينسب حامد حسن اسم الفرع البشارغي إلى بشراغي جبلة، بينما دخلت بشراغي القدموس بقوة في أخبار محمد القضبون ومقامه.
وتجعل بعض مشجرات البشارغة محمدا الملقب بالقضبون، أو القطبون في نسخ أخرى، ابنا لمحمود القصير، فترد السلسلة: محمد القضبون بن محمود القصير بن صبح بن حامد الكيمة بن صالح بن يعقوب بن حيدر الضهر بن بدر الغفير. ويمنح هذا الطريق كنية محمود «أبو محمد» معنى أسريا ، بينما تبقى عبارة خير الصنيعة «قيل القضبون» دليلا على أن اللقب نفسه وصل بصيغة منقولة.
ولاسم القضبون رسوم كثيرة في المشجرات والفهارس: القضبون، القيضبون، القيدبون، القطبون، القذبون، القصبون، والقيقبون. ويحمل الجبل الذي عرف بهذا الاسم موقعا أثريا مستقلا عن موقع القصير؛ فقد اكتشف سنة 1988 بعد العثور على نصب حجري نافـر للإله بعل يحمل رمحا والفأس المقدسة، ويعود إلى القرن السابع قبل الميلاد، وهو محفوظ في متحف طرطوس. يبعد جبل القضبون نحو اثني عشر كيلومترا عن القدموس ويرتفع قرابة ألف ومئة متر، وكشف التنقيب فيه معبدين: الأول مستطيل يقارب ستة أمتار في أربعة وله مدخل شرقي ومذبح داخلي، والثاني على مسافة نحو مئتي متر إلى الشمال الغربي ويتألف من غرف أكبرها أربعة أمتار في أربعة وبوابة شرقية عريضة. ويقوم فوق هذا الموقع مقام الشيخ محمد القضبون، بينما يرتبط اسم محمود بموقع القصير ومقام الحاطرية، وبذلك يبقى معبد القصير ومعبد القضبون موضعين مختلفين داخل المجال الجبلي نفسه.
وتبقى مسألة محمود الطواحين من أكثر عقد المشجرات وضوحا؛ فبعض طرق نسب صالح العلي يضع «محمود الطواحين بن صبح» في الموضع الذي يشغله محمود القصير في طرق أخرى، فتظهر صيغة «محمد البشراغي القضبون بن محمود الطواحين بن صبح»، بينما تحفظ سلاسل أخرى محمود القصير ومحمود الطواحين رجلين مختلفين. كما تذكر سلسلة نقل متأخرة مرتبطة بسلمان سريجس وسلمان المريقب اسما آخر هو محمد القطبون في زمن متأخر عن جيل الصويري بقرون، مما يفتح إمكان تكرر لقب القضبون أو القطبون بين أكثر من رجل عبر الأجيال.
تصف المصادر محمود بلقبي «المعلم» و«العالم الشاعر». وفي بيئة شيوخ الجبل ارتبط لقب المعلم بالدرس والمشورة والمجلس وبمكانة دينية واجتماعية محلية، وهي الصورة التي تتسع لها التغريبة حين تجعل لمحمود دارا يؤمها طلاب العلم والمتناظرون. وتجمع مواد الصويري حوله أسماء يوسف الرداد الحلبي، ومسلم البيضا، وأحمد الجزري، ونصر الفاخوري، وجامع المريج، وحمدان جوفين، ومحمد بن المعلم جبرين، ومحمود الكلزي، كما تدخله رواية الرحلة في عالم علي بن مقاتل بن سعد السياف الصويري، وآل الوحش، وإبراهيم الدباح، ورجال تعنيتا والخوابي.
وتسرد قائمة كبار الشيوخ في خير الصنيعة أسماء الشيخ سعيد بشنانا الكاتب، وحمدان جوفين، ومسلم البيضا، وإبراهيم شاما، ومحمود القصير، وضاحي جليتا، وأحمد الجزري، ويوسف الرداد، وموسى الجباب وسيده جامع المريج، وحسان حدبا، وأبي محمد جبرين، والمعلم عطارد، والمعلم عسكر، ثم تضع ربيعة بن نصر في جهة الخصومة. وضاحي جليتا من بيت آل الوحش، وهو غير محمود بن بدر ومحمود القصير. ويتكرر لقب «المعلم» عند عطارد وعسكر ومحمود، في صورة مشيخة محلية تقوم مكانة رجالها على العلم والمجلس والأتباع والعلاقات بين القرى.
محمود والصويري
تقدمه النصوص شيخا معاصرا للصويري ذا مكانة مستقلة، وتجمع بينهما علاقة علمية واجتماعية وتقدير متبادل أكثر مما ترسم صورة تلميذ تابع لأستاذه. وأوضح ما يحفظ هذا التقدير مديح الصويري في محمود، يقول فيه:
ثم المعلم محمود القصير
ومن صب الإله عليه العلم مدرارا
وتحفظ الأبيات المتصلة بهذا المديح أوصاف «الفاضل العادل الميمون غرته»، و«أمسى لأهل العمى والغي دحارا»، و«من علم آل رسول الله مورده»، و«من كل فن من التوحيد مختارا»، فتجمع صورة محمود بين العلم والفضل والعدل ومعرفة التوحيد وقوة الرد على أهل الغي. ويعيد علي محمد موسى عبارة «العالم الشاعر، الدحار لأهل الغي والعمى»، وهي صياغة تحمل بوضوح أثر المديح نفسه في كتابة سيرة محمود.
يصف خير الصنيعة محمودا بأن له بعض أشعار وقطع جيدة، وأشهرها قصيدة نظمها على حرف القاف من بحر الطويل، توازن فيها الشيخ علي الصويري ونصر الفاخوري، ومطلعها محفوظ بلفظه:
تبديت باسم الله اسم لخالقي
وديني ومعبودي به القلب واثق
وتتألف القصيدة من ثمانية وعشرين بيتا، واحد وعشرين بيتا في الصفحة الأولى وسبعة في الثانية. وهي قصيدة عقدية تعليمية تدور حول التوحيد والحروف والظاهر والباطن، وتستحضر ابن شعبة الحراني وكتابه حقائق أسرار الدين، وابن نصير الملقب بالباب، وتدخل في سجال مع خصوم تذكر منهم الحميصي ومعضاد، ثم تنتهي بدعاء الشاعر لنفسه ولعصبة إخوانه. ويرد اسم محمود داخل القصيدة مرتين في توقيع شعري: «فبالله يا محمود دع عنك ذكرهم»، و«فمحمود عبد المؤمنين». وتحفظ بعض الكتابات الحديثة دعوى أنه خمس «المثل النوري» المنسوب إلى الصويري، بينما المتاح من شعره يثبت قصيدة القاف وقطعا أخرى من غير نسخة مستقلة لديوان كامل أو تخميس يحمل اسمه.
المثلث الأدبي: الصويري ونصر الفاخوري ومحمود
تندرج قصيدة محمود في الموازنات الشعرية داخل حلقة الصويري. ومن نماذجه أحمد الجزري بقصيدته «قمر أنار بنوره القمرين»، ثم قصيدة الصويري «ظبي بدا شرقا ومغربين»، كما وازن شعر الصويري نجم بن علي وأحمد المخلص، فنسبت إلى أحدهما موازنة في ثمانية وعشرين بيتا وإلى الآخر موازنة تجاوزت المئة والثلاثين بيتا. وفي السلسلة نفسها يأتي نصر الفاخوري بقصيدة على بحر الطويل وحرف القاف يوازن فيها قصيدة للصويري مطلعها «شهدت بما قد سطرته أناملي / بأن الذي أنشاه ربي وخالقي»، وتبدأ قصيدة نصر:
تبديت باسم الله ربي وخالقي
بدا بالتجلي ظاهرا للخلائق
بدا بحروف مفردة في كتابه
بخمس وسبع صامت ثم ناطق
فمن كان يعرفها ويكشف شرحها
وبان له سر بها مع دقايق
فما هو أبجد وما هي حروفه
ثمان وعشرون بعلم لناطق
وما سعفص قامت بأربع أحرف
وأنوارها في غربها والمشارق
وما أحرف كتبت على وجه بدرنا
وهي سبعة هدت كرام الخلائق
واثنا عشر أخرى بصفحة شمسنا
ولم تمثل منها عيون الروامق
وما سبعة عشر حرف في وجه زحل
وما زحل كيف التفاف ملاصق
ونصر الذي ما زال يكشف شرحها
ليعرفها من كان بالعلم خارق
موازن سيدنا وسلطان عصرنا
علي بن منصور على العهد واثق
ونصر يرجي العفو من باري الورى
يكني بفاخوري وبالقول صادق
ويشرح نصر نفسه معنى الموازنة في قصيدته الميمية بقوله: «وازنت من قال قبلي قصيدة / تبارك من أنشأ من الطين آدما»، فتظهر الموازنة هنا نظما على مثال نص سابق في الوزن والقافية والبناء العام، وهي الدلالة الأنسب لفهم صلة محمود بالصويري ونصر في هذا المجال.
ويمثل محمود حلقة أخرى في هذه السلسلة بقصيدته «تبديت باسم الله اسم لخالقي / وديني ومعبودي به القلب واثق». وتوحي المقارنة بقرب خاص بين قصيدتي محمود ونصر: كلاهما يفتتح بصيغة «تبديت باسم الله»، وكلاهما يتحرك في الحروف والتجلي والصامت والناطق، مع اختلاف تفاصيل البناء والمعاني. ويلتقي عدد أبيات قصيدة محمود، ثمانية وعشرين بيتا، مع نظام معروف في «ديوان القوافي» ليوسف الثعالبي الذي يلتزم عددا مماثلا في قوافيه، كما تربط بعض الروايات الداخلية هذا النظام بديوان قديم ناقص يسمى «ديوان العبدان البديعي» قيل إن الصويري أكمله على تسعة وعشرين حرفا مستحضرا نموذج القصائد الوترية.
حسن الأجرود يذكر محمود
بعد عصر محمود بنحو قرن ونصف، وفي القرن الخامس عشر، نظم حسن الأجرود العاني قصيدة نونية يعدد فيها أعلام الجبل السابقين ويذكر محمود بقوله:
وفي القصير الفتى محمود أذكره
في العلم في عصره ما كان أخبره
وينتمي حسن الأجرود إلى العصر المملوكي، وتضعه القرائن الزمنية في الثلاثينيات من القرن الخامس عشر في محيط طرابلس، فيصبح شعره شاهدا على استمرار اسم محمود في التداول العلمي بعد عصره بأكثر من قرن. وحفظت القصيدة في مجموع بالمكتبة الوطنية الفرنسية تحت رقم Arabe 1450، في الورقتين 175 و176، وفي مجموع بالمتحف البريطاني برقم Or.3113 مؤرخ سنة 1866 ويضم أناشيد سبعة شعراء يبدأ أولهم بحسن الأجرود، كما نشر كليمان هويار مقتطفات منها في المجلة الآسيوية سنة 1879. واستفاد خير الصنيعة من شعر حسن في ترجمة محمود، كما فعل في تراجم يوسف الصفيفات وسعيد بشنانا، مستعملا الشعر في تثبيت الأسماء والصور المتداولة عن رجال أقدم منه.
وفي القرن العشرين استمرت ترجمة محمود في عدد من الكتب. اختصر علي عباس حرفوش خبره في «المغمورون القدماء في جبال اللاذقية»، الصادر بعد وفاة مؤلفه سنة 1996، فقال: «محمود القصير، من رجال القرن السابع الهجري، مقامه معروف قرب القدموس». وأعاد إميل عباس آل معروف ترجمته وقصيدته في «تاريخ العلويين في بلاد الشام»، كما ذكره علي محمد موسى في «الإمام علي والعلويون» الصادر بدمشق سنة 2002 بعبارة «العالم الشاعر، الدحار لأهل الغي والعمى». وفي سنة 2009 نشر محمود عبد الرحمن آل عباس سلمان عن مكتبة شاش في طرطوس كتاب «الشيخ علي بن منصور الصويري» في 127 صفحة ضمن المجلد السادس من سلسلة «من مدرسة أهل البيت»، وهو من الشواهد المطبوعة المبكرة التي حملت نص التغريبة في العصر الحديث، وتظهر في فهرسته عبارات الشيخ محمود القصيري، ومحمود بن بدر، ودار الفقه، والمجلس، ومصياف، وتعنيتا.
ديار القصيري ودار الفقه في التغريبة.
يروي رحلة التغريبة رجل يقدم نفسه رفيقا للصويري وتلميذا له، هو علي بن مقاتل بن سعد السياف الصويري، ويقول إنه أملى خبرها في شيخوخته على تلميذه سليمان عزيز بن شعبان بعد رحلة دامت ثلاث سنوات. وفيها يظهر محمود باسم الشيخ محمود القصيري وبالعبارة «المعلم المتبحر الفيلسوف الشيخ محمود القصيري». وحين يصل الصويري بعد بعرين ومصياف ووادي حيالين إلى ديار القصيري، تصف الرواية قرية عامرة بالبساتين وقطعان الماشية، وخانات مفتوحة للضيوف وعابري السبيل، ودارا للفقه في طرف الدار القبلي قائمة على اثنتي عشرة قنطرة، جدرانها مملوءة بالمصاحف والكتب والرسائل، وأرضها مفروشة بالطنافس وبسط الصوف والشعر.
يدخل الصويري غير معرف بنفسه، فيراه القصيري متهجدا بالليل ويتعرف إليه سرا، ثم يأمر بالذبح إكراما له، ويعانقه ويجلسه في صدر المجلس. ويقوم أمام الحاضرين قائلا: «هذا سيدكم وسيدنا وحبيبنا الشيخ علي، تفضل علينا بأن نزل بديارنا»، فيرد الصويري بمدح دار القصيري وصاحبها. وتقدم الرواية مجلس الدار مكانا للنقاش، فتذكر مسألة يجيب فيها العارفون بعشرين وجها في المعنى والاسم، ويجيب الشيخ علي والقصيري كل منهما بوجه مستقل. ويحضر المجلس رجال من آل رفد وأهل تعنيتا، وفراس البانياسي، وآل الوحش من جليتا. وفي مشهد آخر تصل رسل محمود إلى الصويري ومرافقه علي بن مقاتل فيسيئون فهم مكانة الأخير، ثم يعتذرون بقولهم «ما كنا نعرف أنه ولدك»، وحين يسأله محمود عن نفسه يجيب: «إني تلميذه وحاميه».
الرحلة ومسار التغريبة
ويمضي مسار التغريبة من الصويري عبر بعرين ومصياف ووادي حيالين إلى ديار القصيري ودار الفقه وترئيس الشيخ على الحضرة، ثم إلى أسقبلة ودار الشيخ جابر، وهي أيضا قائمة على اثنتي عشرة قنطرة، فتعنيتا وظهور إبراهيم الدباح المعروف بالعلم والعبادة، ثم المرقب وبارمايا وذكر فراس بارمايا، وصولا إلى جليتا وآل الوحش والفتى ضاحي. ويتكرر رقم القناطر الاثنتي عشرة في دار القصيري ودار جابر، فيبدو جزءا من الصورة السردية التي رسمت دور العلم الكبيرة في الرحلة، إلى جانب قيمته المعمارية .
وتتحرك هذه الرحلة في جبال شهدت خلال القرن الثالث عشر تحولات سياسية متتابعة: دخل المغول بلاد الشام سنة 1260، ثم أعاد السلطان بيبرس بين 1269 و1270 تنظيم قلاع الدعوة ، وولى صارم الدين مبارك بن الرضي على الكهف والخوابي والمينقة والعليقة والقدموس والرصافة نيابة عنه، وانتهى استقلال هذه القلاع سنة 1273. وفي 25 أيار 1285 فتح السلطان قلاوون قلعة المرقب من الإسبتارية، ثم تشير القرائن المناخية إلى مجاعة ضربت الجبال بين نحو 1294 و1297. وتمنح هذه الوقائع خلفية زمنية للطرق والقلاع والقرى التي تمر بها التغريبة من مصياف إلى المرقب والخوابي.
وتروي التغريبة نزاعا على تخوم تعنيتا وخربة القبو وسريجس مع خصم تسميه سجيع بن سنان الدين، فيعرض محمود القصيري حماية دياره بألف فارس، ويتحرك معه بحسب الرواية ألف من آل الوحش وألف ثالث تحت راية أخرى، وهي أعداد تحمل الطابع الملحمي للنص. وينزل بيرق الشيخ القصيري في ضهر تعنيتا، بينما ينزل بيرق محمود بن بدر غربي السكبية، ويرسل القصيري أثناء الأحداث إلى محمود بن بدر وإخوته فيجيبه ابن بدر برسالة موقعة باسمه. وهكذا تضع الرواية الرجلين داخل المعركة نفسها، لكل منهما موضعه وبيرقه واتصاله بالآخر.
يقوم اليوم مقام يحمل اسم الشيخ محمود القصير في الحاطرية على طريق مصياف والقدموس، قرب القرية وعين حسان، وصوره ستيفان وينتر في كتابه الصادر عن جامعة برنستون سنة 2016، وذكر في تعليقه أنه جدد سنة 2009. وتسبق الترميم صور نشرتها مدونة محلية في 25 آب 2008 بعنوان «جبال مصياف، مقام الشيخ محمود القصير»، ثم تظهر صورة منشورة سنة 2010 الغابة المحيطة بمسجد المقام وسنديانه، فيتكون للمقام تسلسل مصور يسبق التجديد ويتبعه.
وفي دراسة نشرها ديك دويس سنة 2013 وصف مقام محمود القصير بأنه أحد مقامين علويين رئيسيين في المنطقة يستقطبان أعدادا كبيرة من الزوار، ورصد تحولا تدريجيا في مظهر المقام وطقوس زيارته نحو اعتماد أكبر على الآيات القرآنية وتقليص بعض الممارسات الشعبية القديمة، مع استبدال بعض النقوش الشعرية التي تحمل أسماء شيوخ محليين بآيات من القرآن. نحت الفنان حسن عزيز محمد نحت في المقام سنة 2017 ثلاث آيات قرآنية على صخور بلغ قطر بعضها مترا ونصف المتر، واستمر العمل نحو شهر ونصف الشهر باعتباره المرحلة الأولى من مشروع أوسع.
ويذكر خير الصنيعة لمحمود وقفا في شعرة الضهر ووقفا عظيما في الحاطرية.
من شعرة الضهر إلى الحاطرية قطع اسم محمود مسارا أطول من حياة صاحبه؛ ارتبط بموضع جبلي ومجلس علم وشعر، ثم استقر في مقام يربط أهل المنطقة بالرجل بعد قرون من عصره. وهكذا صار محمود القصير جزءا من تاريخ الطريق بين القدموس ومصياف، يجتمع في اسمه المكان والشعر والمزار.





