Home / ثقافة ومجتمع / المعرفة سبيل إلى التكامل النفسي. ندره اليازجي .

المعرفة سبيل إلى التكامل النفسي. ندره اليازجي .

تشير المقارنة بين الأغابة و الإيروس إلى مايلي :

أولاً – الاغابة حنين أو توق الثنائية الآدمية المتمثلة بالذكورة و الأنوثة ، بالعقل والحدس ، للعودة إلى مصدرها البدئي ، في إنسان واحد منقسم إلى رجل وامرأة وذلك في توافق مع قانون العالم الأرضي . الأغابة عودة إلى التوازن و التكامل ، وطاقة فاعلة تدفع الإنسان إلى وحدته في محبة الإنسان لنفسه ، لوحدته التي صارت اثنين . وفي الحنين القائم في الثنائية دليل على أن الإنسان ينشد حقيقته القائمة في التوازن ، في الوحدة . وإذا ما درب الإنسان ، رجلاً كان أم امرأة ، طاقته الحيوية لتستمد توازنها ، بلغ ذروة كماله الإنساني في الوحدة .

ثانياً – الاغابة توق الروح للإتحاد مع المادة . وهذا ما نراه في حكمة الزواج البدئي . فالزواج هو إتحاد الروح مع المادة . ولذا ، أشارت الميثولوجيا اليونانية إلى هذا الإتحاد في رمزية زواج الآلهات – علما بأن الأرواح خالية من ثنائية الذكورة والأنوثة – مع الرجال ، و زواج الآلهة – وهي مجردة من الذكورة – مع النساء .

ثالثاً – الأغابة إشارة إلى سيادة مبدأ الأنوثة في الكون … هي الإعتراف بأن المبدأ الأنثوي هو القوة الفاعلة في الكون ، والحاضنة التي تضم الكل . والأنوثة هي الحدس ، و التعاطف ، والعاطفة ، والشعور … هي الروح . الأغابة تقلب مفهوم الجنس السائد في مجتمعنا الذي تبنى مبدأ ذكورة الكون ، بوصفه القوة الفاعلة : الروح – الأنوثة أولا ، والمادة – الذكورة ثانيا . الأنوثة – الروح يحرضها الذكر – المادة ، لتحتضنه … لتكونه واحدا فيها … وتعيده إلى ثنائية الذكر و الأنثى … الأنثى هي أم الذكر والأنثى … وإذا كانت الفلسفة اليونانية ، المركزة في الأغابة ، قد بينت مبدأ كون الأنثى أما للرجل فلانها وجدت ، كما وجدت الفلسفة الهندية وغيرها ، في الأم الكبرى ، أم العالم الأرضي ، وأم الكون ، القدرة المادية ، الحاضنة ، الفاعلة ، الروح التي تنتج العقل المتمثل في الذكورة .

رابعاً – الإيروس إنحراف عن الدافع الحقيقي لاتحاد الإنسان في قطبيه … هو مقاومة فاعلة لإحداث شرخ في وحدة الإنسان الداخلية ، بحيث ان التوازن يختل أو ينعدم .

خامساً – الإيروس هو مبدأ إحلال المادة في المركز الأول والروح في المركز الثاني . في الإيروس تتبوأ الذكورة المقام الأول وتخضع الأنوثة – صوفيا . وفي الإيروس تصبح الذكورة القوة الفاعلة في الكون ، وفي حال تمثل أو تشخيص هذه القوة الفاعلة ، يشدد مبدأ الإيروس على صياغة الحقيقة العليا السامية والطاقة الكونية الشاملة بصفات الذكورة . وفي هذا التمثل أو التشخيص ، تسود الثنائية ، و يسود معها مبدأ الإيروس .

سادساً – ينتج مما تقدم

آ – إنبثاق عقائد بمبدأ الإيروس ، دعيت قديماً بالفالية ؛ ولقد عرفت الفالية – الإيروسية بعقيدة ” عبادة القضيب ” رمز الذكورة . وصبغت تلك العقائد الطاقة الحيوية ، والكيان الأسمى ، والحقيقة السامية ، بمفهوم الفالية ، الأمر الذي أفقد التوازن بين ” الينغ ” وال ” الين ” بين الذكورة و الأنوثة ، بين الروح والمادة ، وأحدثت صراعا وعداء بينهما .

ب – انبثاق عقائد تدين بمبدأ الأغابة ، هي عقائد تعلم الإنسان كيف يعيد إلى كيانه توازنه المفقود ، وكيف ينسجم مع القطب الآخر في تكامل حيوية الطاقة الثنائية ، ليعود إلى مبدئه الأصلي ؛ … هي عقائد تمثل الطاقة الكونية بمبدأ الأنثى ، النطاق الذي يغلف كل شيء ،  ويبدع كل شيء لأنه يحمل كل شيء في رحم ذاته … هي الروح – الأنثى التي تعانق المادة – الذكر وتحتويها في ذاتها ، وفي هذه العقائد يتساوى الرجل والمرأة ، ال” ين ” وال ” ينغ ” ، وتتعادل الذكورة والأنوثة ، الروح والمادة ، في وجود أرضي يدرك حقيقته .

المصدر :

دراسات  في الحياة النفسية والاجتماعية

ندرة اليازجي ص . 75 , 76

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *