Home / ثقافة ومجتمع / —-{عطرُ الوفاء}— بقلمُ: الحُقوقِيّ اللَّيث الرِّفاعِيّ

—-{عطرُ الوفاء}— بقلمُ: الحُقوقِيّ اللَّيث الرِّفاعِيّ

.
عَجِبْتُ لِمَنْ يَسْبَرُ أَغْوَارَ التَّارِيخِ كَيْفَ تَخْفَى عَلَيْهِ مَدَارِكُ النُّبُوغِ فِي آحَادِ الرِّجَالِ، وَهَيْهَاتَ أَنْ يَجُودَ الزَّمَانُ بِمِثْلِهِمْ إِلَّا فِي طَيَّاتِ الْقُرُونِ الْخَوَالِي، وَحِينَ تَتَدَاعَى الْأُمَمُ تَحْتَ وَطْأَةِ الْجَهْلِ الْعَمِيمِ، وَتَسْتَحْكِمُ حَلَقَاتُ الرَّدَى فِي الْعُقُولِ.

فَلَقَدْ نَهَضَ الْأُسْتَاذُ الْعَلَّامَةُ، وَالشَّيْخُ الْجَلِيلُ، سُلَيْمَان الْأَحْمَد (قَ)، نَهْضَةَ اللَّيْثِ الْهَصُورِ، فِي بِيئَةٍ عَشَّشَ فِيهَا الْبُومُ، وَاسْتَنْسَرَ فِيهَا الْبُغَاثُ، وَأَلْقَتْ فِيهَا الْخُرَافَةُ بِجِرَانِهَا. اسْتَبَدَّتْ بِأَلْبَابِ عَامَّتِهَا وَخَاصَّتِهَا كَهَانَةٌ وَدَجَلٌ، حَتَّى صَارَ الْعَقْلُ فِيهَا غَرِيبَاً طَرِيدَاً، وَالْعِلْمُ مَيْتَاً قَبِيرَاً. فَمَا كَانَ مِنْهُ، وَالْخَطْبُ جَلَلٌ، وَالْمَسْلَكُ وَعْرٌ، وَالْأَنْصَارُ قِلَّةٌ بَلْ عَدَمٌ، إِلَّا أَنْ شَمَّرَ عَنْ سَاعِدِ الْجِدِّ، وَانْتَضَى سَيْفَ الْحُجَّةِ الْبَالِغَةِ، فَشَقَّ حُجُبَ الدَّيَاجِي بِضِيَاءِ بَصِيرَتِهِ، مُتَحَدِّيَاً رُكَامَاً مِنَ الْعَادَاتِ الْفَاسِدَةِ، وَمَوْرُوثَاً أَفْسَدَهُ الْجُهَّالُ وَالْمُتَأَوِّلُونَ. وَلَقَدْ تَفَرَّسَ فِي أَدْوَاءِ قَوْمِهِ بِعَيْنِ الطَّبِيبِ النِّطَاسِيِّ، فَرَأَى عُقُولَاً قَدِ ارْتَهَنَتْهَا الْأَحرَازُ وَالطَّلَاسِمُ، وَمَقَادِيرَ تُبَاعُ وَتُشْتَرَى بِسُوقِ الْمُتَمَحِّلِينَ وَالْمُتَدَجِّلِينَ، مِمَّنِ اتَّخَذُوا الدِّينَ مَطِيَّةً لِلْمَنَافِعِ، وَجَعَلُوا الشَّعْوَذَةَ بِضَاعَةً رَائِجَةً تَدُرُّ عَلَيْهِمُ الْأَرْزَاقَ بِلَا كَدٍّ وَلَا عَنَاءٍ. فَانْبَرَى لَهُمْ فَرْدَاً كَالْأَلْفِ، وَوَاحِدَاً كَالْجَحْفَلِ اللَّهَاذِمِ، يُقَارِعُ الْحُجَّةَ بِالْحُجَّةِ، وَيَدْمَغُ الْبَاطِلَ بِالْحَقِّ، لَا تَرُوعُهُ قَوَارِصُ أَلْسِنَتِهِمْ، وَلَا تُثْنِيهِ سِهَامُ مَلَامَتِهِمْ، وَلَا يَحْفِلُ بِمَا نَصَبُوهُ لَهُ مِنْ شِرَاكِ الْعَدَاوَةِ، مُتَسَلِّحَاً بِذَكَاءٍ مُفْرِطٍ، وَفَهْمٍ خَارِقٍ لِلْعَادَةِ، وَرُوحٍ لَا تَقْنَعُ بِالدُّونِ.
أَمَّا رِحْلَتُهُ فِي طَلَبِ الْحِكْمَةِ، فَحَدِّثْ عَنْ طَوْدٍ شَامِخٍ يَمْشِي عَلَى قَدَمَيْهِ، مُكَابِدَاً وُعُورَةَ الْجِبَالِ، وَمَشَقَّةَ الْمَسِيرِ، وَمُجَافَاةَ الْعُسْرَةِ، يَطْوِي الْبَيْدَاءَ طَيَّاً لَا تُقِلُّهُ رَاحِلَةٌ، وَلَا تَحُفُّهُ حَاشِيَةٌ، يَخُطُّ الشِّعرَ بِالْفَحمِ عَلَى الْخَشَبِ، وَيَنْقُشُ الْمَعْرِفَةَ بِالْحَجَرِ عَلَى الْحَجَرِ. وَكُلَّمَا ضَاقَتْ بِهِ السُّبُلُ الْمَادِّيَّةُ، اتَّسَعَتْ رُؤَاهُ، فَمَدَّ يَدَاً لِكُتُبِ الْحَضَارَاتِ، وَاسْتَرَقَ النَّظَرَ إِلَى مَا وَرَاءَ الْآفَاقِ، فَاسْتَجْلَبَ صَحَائِفَ الْعِلْمِ، وَمَجَلَّاتِ التَّنْوِيرِ، لِيُحْيِيَ بِهَا مَوَاتَ الْعُقُولِ فِي جِبَالٍ انْقَطَعَتْ عَنْ رَكْبِ التَّمَدُّنِ الْمُتَّصِلِ، حَتَّى حَازَ مِنْ سَعَةِ الِاطِّلَاعِ مَا يَغْبِطُهُ عَلَيْهِ الصَّدِيقُ، وَيَحْسُدُهُ عَلَيْهِ الْعَدُوُّ.
وَمَا لَانَتْ لَهُ قَنَاةٌ، وَلَا سَكَنَتْ لَهُ فَوْرَةٌ، حَتَّى رَأَى بِذَارَهُ قَدْ أَيْنَعَتْ، وَثِمَارَهُ قَدْ دَانَتْ قُطُوفُهَا. فَبَدَّدَ شَمْلَ التَّفَرُّقِ، وَأَطْفَأَ نِيرَانَ الْفِتَنِ بِفَتْوَى قَاهِرَةٍ زَاجِرَةٍ، صَدَعَ بِهَا حِينَمَا أَرَادَ الْمُسْتَعْمِرُ الْغَاشِمُ إِذْكَاءَ الشِّقَاقِ وَزَرْعَ الْبَغْضَاءِ بَيْنَ الْإِخْوَةِ، فَكَانَتْ كَلِمَتُهُ فَصْلَاً، وَرَأْيُهُ حَزْمَاً، رَدَّتِ الْأَسْلَابَ إِلَى أَهْلِهَا، وَأَلْجَمَتْ دُعَاةَ الْفَوْضَى بِلِجَامِ الشَّرْعِ الْقَوِيمِ.

وَوَاللَّهِ، إِنَّ رَجُلَاً يَجْتَمِعُ فِيهِ نَسَبٌ يَتَّصِلُ بِأَكَابِرِ الْأُمَرَاءِ وَالْعُلَمَاءِ، كَالْأَمِيرِ المَكْزُون السَّنْجَارِيِّ، وَعَقْلٌ يَسْتَوْعِبُ عُلُومَ الْأَوَائِلِ وَالْأَوَاخِرِ، لَخَلِيقٌ بِأَنْ تُعْقَدَ لَهُ تِيجَانُ السِّيَادَةِ، وَتُرْفَعَ لَهُ رَايَاتُ التَّكْرِيمِ. فَقَدْ عَاشَ مُكَافِحَاً صُلْبَاً، وَمَاتَ مُنْتَصِرَاً نَبِيلَاً، وَتَرَكَ خَلْفَهُ أُمَّةً نَفَضَتْ عَنْ كَاهِلِهَا غُبَارَ الْقُرُونِ، وَسَلَكَتْ بِفَضْلِهِ وَتَنْوِيرِهِ سُبُلَ الرَّشَادِ وَالسَّدَادِ

تَجَلَّى “سُلَيْمَـــــــــــانُ” الزَّمَانِ بِعِلْمِهِ
فَأَردَى جُيُـوشَ الْجَهْـــلِ قَبْـلَ صِدَامِ
وَ”أَحمَدُ” مَسْــــــعَاهُ كَغَيْــثٍ إِذَا هَمَى
عَلَى بَـــــــــــلَدٍ قَفْرٍ شَـــــــــدِيدِ أُوَامِ
هُــوَ النَّـجْمُ إِنْ ضَلَّ السُّــرَاةُ طَرِيقَهَا
وَغَيْثُ النَّـــــــــدَى إِنْ ضَنَّ كُلُّ غَمَامِ
هُوَ الْبَحْرُ زَخَّــــــــــارَاً، وَطَوْدٌ بِحِلْمِهِ
وَشَمْسُ ضُحًى تَجْلُو دُجَى الْمُتَعَامِي
أَبَـــــــادَ طَلَاسِيمَ الطُّغَـــــــــاةِ بِفِكْرِهِ
وَدَكَّ صُـــــرُوحَ الزَّيْــــــفِ دَكَّ حُسَامِ
مَشَى فَوْقَ هَامَـــاتِ الْجِبَالِ مُسَافِرَاً
وَمَا نَـــــــــالَهُ الْمَسْــــــــرَى بِأَيِّ سَآمِ
يَــــــــرَاعَتُهُ شُهْبٌ تَــــــــــرُدُّ غُوَاتَهُمْ
وَمِنْطَقُــــهُ سَـــــــيْلٌ شَـــــدِيدُ زِحَامِ
سَـــلِيلُ مُلُوكِ الْفَضْلِ “مَكْزُونُ” جَدُّهُ
فَيَــــــــا لَكَ مِنْ نَبْـــــــــعٍ زَكِيِّ قِوَامِ
سَــــــلَامٌ عَلَى الشَّيْخِ الْجَلِيلِ مُخَلَّدَاً
بِــأَنْفَـــاسِ مِسْـــكٍ فِي خِتَـــامِ كَلَامِ

المصدر : 

https://m.facebook.com/story.php?story_fbid=pfbid0j5eZxjuB63XZHs3hRnJgLCZJ1LCGaE6nWzt9oPUmUgwVHrHJW2syTg37Xeeu2dEyl&id=100044581297263

One Comment

  • Having read this I believed it was rather informative. I appreciate you finding the
    time and energy to put this content together. I once again find myself spending a lot of time both reading
    and commenting. But so what, it was still worth it!

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *