ثقافة التغيير منهج يبني قواعد انطلاقه من اعتماد الثقافة سلاحاً معرفياً يكاد يكون وحيداً لتغيير الواقع معتمداً على تحديد المتغيرات وتأصيل الثوابت, والحفاظ على الهوية والخصوصية , مستخدماً أدوات
العصر بحيث يكون التغيير بأيد عارفة , وبالاتجاه المحدّد الذي يطلب الغاية المثلى , والسير نحو موقع متقدّم يضيف قيماً عصرية جديدة , ويطوّر القيم القديمة بما يتناسب وحركة التقدّم الإنساني . بمعنى أدق ثقافة التغيير تعني بناء الإنسان الواعي لدوره , المدرك لذاته والاعتماد عليه , كما أن بانيها هو الإنسان الواعي لدوره المدرك لذاته القادر على التدقيق والتمحيص , معتمداً الأخذ بما هو جيد , فضلاً عن تحمل مسؤولية عملية تغيير الواقع بتبحر وتجذّر وانفتاح , ونبذ ما هو سيء , وهنا نأخذ معنى المتابعة والإتمام لما هو حسن .
هذا المفهوم إذاً مسؤولية قبل كل شيء وهو يعني أساساً تغيير النفس والمجتمع , والنزوع إلى المراتب الأفضل بثقافة متجذرة منفتحة متطورة . فهو مشروع يغيّر ما بالقوم من حال إلى حال أخرى دون أن يقتلع القوم من هويتهم أو يتعارض مع ثوابت ومقدسات الأقوام الحقيقية , إذا هناك ثوابت ومتغيرات , ووسائل وغايات , ومن الواجب علينا التغيير شريطة أن لا يطال التغيير تلك الثوابت , والتي تتمثل عندنا بثالوث مقدس هو : ( الدين , والهوية , والوطن ) . لكنه لا بأس أن يقدم مفهومه الخاص عن هذه الثوابت , وهذا يبدأ من إعادة تحديد مفهوم المقدس الجمعي , كما يفهمه هذا الجيل لا كما هو محدد في ذهنية الناس ويحاول أن يجلو الصدأ عن وجه القداسة الحقيقية ويعرّي القداسات المزيفة التي تعظم الهامشي , وتدخل علينا قوى الشر , ويمكن أن تقود إلى تهميش العظيم . وهنا تكمن الخطورة الأكبر , وتكون قوى الشر قد نفذّت أهدافها . لذلك علينا أن لا نأمن العتمة وأن نفرّق بين الليل والظلام .
فعندما تحاصرنا العتمة , وتمتد أذرع الشر لتطال القيم والأخلاق والثقافة والسلوك وطريقة العيش والعقيدة , ويهاجمنا حلكٌ لا هدف له إلا التدمير والسلب والنهب , ولا يمتلك أيَّ شرعية لوجوده سوى شريعة الغاب , ويسكت العالم من حولنا , ويلوذ كل بجانبه , ويستكين بعضنا ويجبن , ويسكن داخله صقيع التخاذل والاستسلام , ويصبح حق القوة شريعة وقانوناً , عندئذ يتّضح أن ليس هناك إلا خيار واحد يمكن اللجوء إليه , والتمسك به إنه خيار التمسك بالثوابت والذود عن المقدسات , وعدم التفريط به , لأن هذا الخيار يمثل هوية الإنسان في هذه المنطقة , كما يمثل ذاك الثالوث الملاذ الأخير والقاعدة الأهم لعملية بناء الشخصية . فقد بنينا على الإيضاحات التالية لثالوث الثوابت المقترحة :
الثابت الأول : الدين . وهو المشروع الفكري والممارسة أخلاقية , التي تحمل ثقافة التوحيد الرسالية الخالدة التي انطلقت من أرضنا وحفظها تاريخنا , التي كانت وستبقى الأساس في فهم وتحديد المنهج الإنساني الأخلاقي العادل الذي يدعو إلى القيم وإنسانية الإنسان , ويتعارض مع مشروعي ( فرويد , وميكيافيللي ) . وقد كان للإنسان العربي شرف حمل هذه الرسالة منهجاً وسلوكاً , وشارك في بناء الحضارة الإنسانية , وبها احتل موقعاً مهماً بين الأمم .
غير أنَّ هذا الدين الذي ندافع عنه ونعتبره الثابت الأول , ولا نسمح بالمساس به من الآخرين , وكما أننا نقدّم أرواحنا رخيصة فيما إذا فكّر الآخرون بالهجوم عليه يجب أن يكون الدين الحيوي يتفاعل معنا ونستطيع أن نتفاعل معه والذي يصلح لكل زمان ومكان يجمع ولا يفرق . وليس الدين الملقّن من الآباء والمقدم بفهمهم . والذي صنعته بيئات مختلفة منها ما حكمتها العبودية و التبعية والتقليد .
الثابت الثاني . الهوية : لأن هوية الإنسان تعطيه التميّز بالتفرد والخصوصية , فإن نرى أنّ القامة بانتصابها والهامة بارتفاعها ما هي إلا دلالة واضحة على ثبات الجذر وفاعلية التميّز التي أحدثتها الثقافة الخاصة فغمرت جسد الأمة بدفء المعرفة . وقد برزت هويتنا هوية عاقلة بانية للخلق الإنساني تحمل مشروعاً يرفض الأنانية والتفوق العنصري , والانفراد بالخلد , وهذا ما توضحه تماماً ثقافة الإيثار والعيش المشترك .
الثابت الثالث . الوطن : لأن الوطن هو الأساس الذي نبني عليه الحرية بمفهومها الشامل . فحرية الوطن هي المكوِّن الأهم والقاعدة الأساس لبناء حرية المواطن , كما أنها التربة الأخصب لحضانة الجذر . وهذا الوطن هو الجغرافيا ذاتها التي جهدوا لاحتلالها , وهو المقدسات التي حرصوا على تدنيسها وهو الثروات التي كان هدفهم سرقتها فهل من ممانعة إلا بالتغيير الايجابي ؟.
مقتطف من كتاب بعنوان “مفهوم الشخصية الحضارية أو العالم بين مرجعيتين ” للباحث محمد خالد عمر –. الكتاب من منشورات دار الفتاة للطباعة والترجمة والنشر وأكاديمية الكوفة في هولندا الطبعة الأولى 2009 .
الباحث هو مؤسس ورئيس لجنة ذاكرة الشمال السوري في مدينة إدلب السورية .
وعضو في اتحاد الكتاب العرب .
وعضو جمعية الدراسات والبحوث وعضو المؤتمر القومي الإسلامي .
عضو رابطة تجديد الخطاب الديني .
عضو هيئة تحرير جريدة الأسبوع الأدبي .
عضو لجنة القراءة في جمعية البحوث والدراسات .
أمين لجنة جمع وحفظ التراث الشعبي في محافظة ادلب .



