Home / ثقافة ومجتمع / الشيخ عز الدين القسام .. فخر مدينة جبلة ورمز أصالتها

الشيخ عز الدين القسام .. فخر مدينة جبلة ورمز أصالتها

ولد الشيخ عز الدين القسام في مدينة جبلة عام 1882 أبوه عبد القادر القسام وقد عرف بتقاه وورعه فأسندت إليه إمامة أحد الجوامع,تتلمذ الطفل عز الدين على يد أبيه حيث كانت الجوامع والكتاتيب تقوم مقام المدرسة في ذلك الوقت وقد استطاع الأب أن يتدبر لابنه بعثة دراسية إلى الجامع الأزهر في مصر. أمضى القسام في الأزهر ثماني كانت هي أخصب سنوات حياته فقد ترافقت حركة التنوير الديني التي قادها كل من جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده مع حركة التحررالوطني التي رفع لواءها مصطفى كامل مع دعوة التحرر الاجتماعي التي أطلقها قاسم أمين ولم يكن القسام بعيداً عن هذه الأجواء وقد شارك مع المصريين في النضال ضد الانجليز .
في عام 1903عاد القسام إلى جبلة فعمل إماماً وخطيباً في جامع المنصوري, لم يكن القسام مجرد واعظ ديني يدعو إلى العبادة وإقامة شعائر الدين بل كان ثورة على الظلم السياسي والاجتماعي وقد تجلى ذلك في خطبه الداعية إلى الحياة الكريمة .
لما لاحت بوادر الحرب العالمية الأولى التي وقفت فيها الدولة العثمانية مع ألمانيا ضد فرنسا وانجلترا سيق الشباب إلى معسكرات التدريب وكان القسام منهم فتدرب على فنون القتال واستخدام السلاح.
في عام 1916قامت الثورة العربية ضد الأتراك بقيادة الشريف حسين بالتعاون مع الحلفاء الذين تعهدوا له بإقامة دولة عربية موحدة على كامل المشرق العربي’ ولكنهم نكثوا بوعودهم ووقعت سوريا تحت الانتداب الفرنسي فاشتعلت الثورات في سوريا كلها ضد الاحتلال وكان لابد للقسام من إعلان الثورة , لم تكن طبيعة جبلة تسمح بالعمليات الفدائية ضد المحتلين فرحل إلى جبال الحفة لينضم إلى الثائر عمر البيطار.
بذل الفرنسيون جهودً كثيرة لثنيه عن المضي في الثورة فقدموا له المغريات المادية والوعد بتولي قضاء الساحل السوري كله لكن رفضه كان قاطعاً , ولقد سجل القسام مع رفاقه أروع صفحات البطولة وكانت أشهر معاركه معركة “بابنا” التي أثارت جنون الفرنسيين فقاموا بمذبحتهم الشهيرة في قرية بساتين الريحان التي راح ضحيتها مئة وسبعون شهيداُ كما صدر قرار الحكم بالإعدام على القسام ولما اشتدت عليه المطاردة اختفى عن الأنظار’ وخوفاً على الذين يؤونه من بطش الفرنسيين رحل إلى فلسطين .

وصل الشيخ إلى حيفا في عام 1922 فعين خطيباً في جامع الاستقلال ومدرساً في المدرسة الإسلامية في المدينة , ولم تمض فترة إلا وأصبح رئيساً لجمعية الشباب المسلمين العرب , وهي جمعية ذات أهداف قومية إلى جانب الأهداف الدينية .
كان القسام متنبهاً إلى خطر هجرة اليهود إلى فلسطين وإلى الدور الذي تلعبه انجلترا في مساعدتهم وإلى الأسلحة التي تتوارد إليهم من ميناء حيفا ,وكان يخطط منذ قدومه إلى فلسطين لقيام ثورة قوامها الفلاحون والعمال المكتوين بنار الاحتلال والفقر فهم برأيه الأقدر على تحمل تبعات النضال – من المترفين الذين سرعان ما يقبلون بالمساومات والتنازلات – فشكل منهم خلاياه الجهادية ,وراح يراسل رجال الدين وزعماء الأحزاب في القدس ينبههم إلى الخطر القادم ويطلب منهم الإعداد لثورة مسلحة لكنهم لم يستجيبوا لدعوته فأطلق رجال الجهادية في عمليات فدائية ضد الانجليز والصهاينة القادمين .
اتسع نطاق العمليات واشتد حماس الناس لها وجاز صيتها حيفا إلى كل مدن فلسطين فجن جنون الانجليز وبثوا جواسيسهم في كل مكان وتمكنوا من اعتقال بعض منفذي العمليات وراحت الشكوك تحوم حول القسام فطرد من التدريس ومن إمامة الجامع ومن القضاء ولحق الطرد أتباعه وضيقوا عليه الخناق فكان لابد من إعلان الثورة.
اجتمع الشيخ مع قادة خلاياه وقرر الخروج إلى القرى لجمع الرجال وتسليحهم ثم التجمع في أحراش يعبد والسير إلى حيفا ومهاجمتها واحتلالها وجعلها منطلقاً للثورة الشاملة ,وهيأ فرقة من صيادي الأسماك لتقوم بوضع الديناميت في السفن الحربية الراسية في الميناء لزعزعة الانجليز .
في 18 تشرين الثاني 1935 اجتمع حول القسام مابين عشرة إلى عشرين رجلاً فأوصاهم بأن يسيروا فرادى متباعدين وان يتجنبوا الجنود العرب ويقصروا ضربهم على الجنود الانجليز والصهاينة, وأرسل طليعة من رجلين وأوصاهم بعدم الاشتباك مع الجنود , لكن مقتل أحدهم وهو محمد المخزومي أثار غضب زميله فقتل أحد الجنود فتنبه الانجليز لوجود قوة مسلحة , ثم جاء من يخبر الشيح بأن غابة يعبد قد طوقت بقوات كبيرة من البوليس والجنود وقد جاؤوا بالسيارات المصفحة والدبابات مسلحين بالرشاشات والهاونات فقرر مغادرة الموقع إلى قرى الشمال للالتقاء بباقي المجموعات عند الفجر بدؤوا بالمسير ولما طلع النهار كان هناك طائرة تحلق فوقهم لتحدد موقعهم .فجأة وجدوا أنفسهم في واد ضيق وجحيم النار ينصب عليهم من كل الجهات,كان أول الشهداء المصري عطية الحنفي وكان قد أوصى أن يدفن في فلسطين , ثم ارتفع من مكبر الصوت يدعو القسام للاستسلام ويعده أن يعطى الأمان هو وجماعته ويصبح نائباً لمفتي فلسطين فرد الشيخ بغضب: خسئت,وطلب من رفاقه أن يقاتلوا حتى الشهادة ,بدأت طلقات الثوار تتباعد وبدأت الذخيرة تنفذ وفي الساعة التاسعة علا صوت القسام ووقف رافعاً يده باتجاه السماء وصاح”اللهم الحمد والشكر لك اللهم الحمد والشكر لك” وهوى كسنديانة عتيقة,وعلى بعد خطوات منه سقط الفلسطيني يوسف الزيباوي مضرجاً بدمائه.
أصر رفاق الجهاد أن يدفن القسام ورفاقه بثيابهم الملطخة بدمائه, ووراء النعوش الأربع خرجت حيفا ووفود المدن الفلسطينية تودع شهداءها وقدر عدد المشيعين بمئة ألف شخص.
استنفر الانجليز واختبأ اليهود وأعلن الإضراب العام وكان ذلك بداية الثورة الفلسطينية الكبرى عام 1936.
رحم الله الشيخ الذي باع بيته ليشتري بنادق للثوار,والذي سطر بدمه وثيقة وحدة الأمة العربية والأرض العربية.

المصدر : صفحة الأديبة السورية  ملك حاج عبيد .

Malak Haj Obeid

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *