Home / ثقافة ومجتمع / هاني الراهب في ذكرى رحيله : رسم خطاً في الرمال ممتطياً صهوة رحيله الأخير..

هاني الراهب في ذكرى رحيله : رسم خطاً في الرمال ممتطياً صهوة رحيله الأخير..

ريما نعيسة
خاص تلفزيون ليفانت

خمسة عشر عاماً انقضت على رحيله الأخير، حروب انتهت وأخرى مازالت تحط رحالها، خمسة عشر عاماً لم يتغير فيها شيء، سكون مرابض بالحالة الأدبية وركود يحتل المشهد الثقافي السوري فيما تظهر أحياناً محاولات خجولة لرفع السوية، ترك فراغاً يبدو أن أحداً لن يحتله، غاب الروائي السوري هاني الراهب، الكاتب المقلق، كما يحلو للبعض تسميته، تاركاً المعمعة الفكرية والأدبية خلف ظهره كما هجر عن كرسيه الخشبي في مقهى الروضة الدمشقي، هزمه المرض العضال فكان غيابه الأخير في 6 شباط من العام 2000.

يتحدث أخوه الأديب والراحل أيضاً، هلال الراهب عن البيئة التي نشأ فيها الأكاديمي هاني الراهب ويكتب في مجلة المعرفة مقالة بعنوان: “هاني الراهب أديباً: ولد المرحوم هاني الراهب عام 1936 في بيت من بيوت الأحياء الفقيرة في مدينة اللاذقية، وفتح عينيه على النور في مطبخ مشترك لساكني دار التمرات عندما كنت في السادسة من عمري، وكانت طبول الحرب العالمية الثانية تقرع بعنف منذرة بدمار الأرض وفناء البشر. أمه نزهة كانت أمية، وأبوه الشيخ محمد علي الراهب كان أصماً وأبكماً لا يسمع ولا يتكلم.”

قبل أن يصير أستاذاً أكاديمياً في جامعة دمشق، يدرّس مادتي الترجمة والأدب العالمي في قسم اللغة الإنكليزية، جلس على مقاعدها واحتل مدرجاتها التعليمية كتلميذٍ نهمٍ عاشقٍ مولعٍ بالفكر والثقافة والأدب، وقتذاك وتحديداً في عام 1960 أعلنت مجلة “الآداب” البيروتية عن مسابقة للرواية العربية حيث اشترك فيها أكثر من مائة وخمسين كاتباً عربياً وكانت المفاجأة الكبرى أن حصد هاني الراهب الجائزة الأولى عن روايته الأولى “المهزومون” إذ كان عمره لا يتجاوز الثانية والعشرين وكان لايزال طالباً.

من دون مغالاة، يمكن القول عنه أنه عميد الرواية السورية بامتياز، كان متميزاً منذ صغيره سعى إلى التحصيل العلمي فبعد أن نال درجة الماجستير من الجامعة الأمريكية في بيروت حصل على الدكتوراه من بريطانيا من خلال أطروحته المثيرة للجدل “الشخصية الصهيونية في الأدب الغربي”، تفرد أيضاً بأنه كان كاتب الحقيقة والبؤس والقهر الإنساني فعندما تقرأ هاني الراهب تشعر بالسوط يلّوح في الهواء تجلدك الكلمات كما يجلدك السوط تماماً وتوجعك وتدميك ضربتها، تدهشك وتصدمك تدك مواقع السكون والرهبة والخوف في نفس القارئ.

كان أديباً وروائياً استثنائياً أغنى المكتبة السورية بإرث ثقافي وفكري عميق ذي قيمة فنية وإبداعية رفيعة المستوى لا يمكن لأي ناقد أدبي حقيقي أن يتجاهلها، رفض الكتابة الكلاسيكية وشطب عليها باللون الأحمر إذ نراه جديداً ومختلفاً عن غيره من الكتّاب آنذاك، عاد إلى التراث الذي لطالما اعتز به ليربطه بالحاضر، تجاوز كل حدود التمرد ودعس الممنوعات والخطوط الحمراء وخاطب تابوهات المجتمع والسياسة بقلمه المغامر، كتب عن الحرية والديموقراطية والمساواة، تحدث عن وصول البرجوازية الصغيرة إلى السلطة، صوّر هموم الشباب وألمه وحالة الانهزام والسقوط فعالج في رواياته قصص الحب المخفقة، كما خاض الكثير من السجالات السياسية والفكرية أراد التغير من خلال الكلمة لكن ما فائدة الكلمة إن لم تصل!!

خاص في نقد و تعرية الواقع العربي وعقده وفضح عواراته، كما اهتم بتتبع خيبات الانسان العربي من خلال العديد من الروايات كانت أهمها “الوباء” الذي اعتبرها بعض النقاد أهم ما كتب خلال مسيرة حياته الأدبية، عرّج أيضاً على ظاهرة المثقف الثوري الانتهازي الوصولي، الذي يستغل الثورة لغاياته الشخصية وتلمس ذلك بوضوح في روايته “ألف ليلة وليلتان”، وتابع رسم الخطوط في الرمال حتى آخر حياته، فكتب آخر رواياته وقبيل رحيله الأخير “رسمت خطاً في الرمال”.
لم ينسَ قضية المرأة وما وقع عليها من ظلم تاريخي من قبل مجتمع ذكوري فخصص لها مشروعاً خاصاً اغتاله الموت فلم يكتمل، أنجز منه “خضراء كالمستــنقعات” 1992، و”خضراء كالحقـول” 1993، وخضراء كالبحار” 1999، كما رأى في حروف كلمة “جسد” اختصاراً لتابوهات العالم حيث الجيم جنس والسين سياسة والدال دين.

ولأن هاني الراهب كان من الأصوات الإشكالية المشاكسة، المشاغبة والمقموعة، بالتأكيد، غضب عليه اتحاد الكتاب العرب باعتباره حالة أدبية استثنائية أحدثت ثورة في عالم الرواية السورية والعربية وقتذاك، فحاول التنقيب عن ما يصوّره أدباء إسرائيل للإنسان العربي :”الأهبل اللا حضاري الجبان سلاحه خنجر الغدر لا سيف المواجهة”، وكانت النتيجة أنه دفع الثمن لمواقف فكرية وسياسية كان قد اتخذها فتم تهميشه وتغيبه عمداً و فصله من اتحاد الكتاب العرب في دمشق بتهمة “التطبيع” في عام 1995 فرد عليهم بالقول: “علينا أن نعرف كل شيء عن عدونا حتى في الثقافة، فهذا العدو كان وما يزال متفوقا علينا في كل المجالات حتى في الإبداع وان لم نكن على الأقل في مستواه فإننا لن ننتصر عليه”.

يكتب أخوه أيضاً في ذات المقال في مجلة المعرفة عن الفترة التي سبقت رحيله : “بعد استئصال السرطان من جسم هاني، ظل الأطباء عاماً كاملاً يؤكدون بعد كل كشف دوري، أن جسده أصبح خالياً من المرض. وليس عليه سوى أن يتجنب البرد والتوتر العصبي والقلق النفسي.” ويتابع قائلاً “وعندما أنهى إقامته في الكويت وعاد إلى مأواه في دمشق كان مطمئناً إلى أنه يتمتع بكل العافية، ولم يمض طويل من الوقت حتى اكتشف فجأة أن مرض السرطان لم يغادر جسده وتشبث فيه بانتشاره في أعضاء جسده كافة. هاني الميت جسداً والحي فكراً كالأبد والخلود، عاش عامه الأخير مغترباً في الحياة ولديه شعور بأنه دوهم ونهش إلى أن تعرى جسداً وكرامة، لكنه استمر في التقدم زحفاً، إلى أن عبر نهر المهانة. وعلى الضفة الأخرى رسم خطاً في الرمال ومات”.

اليوم يرقد الراحل حيث أطلق صرخاته الأولى للحياة، في مسقط رأسه، قرية مشقيتا الساحلية، وعلى قطعة أرض تطل على بحيرة يقبع بيته الأخير الدافئ، بعيداً عن جنون الحرب وويلاتها، لا يعطي بالاً لتهديدات “زهران علوش” بقصف دمشق وإمطارها بـ “الكاتيوشا”، غير مكترثٍ بهدير الطائرات التي تحلق فوقه تارة وغير آبهٍ لقصص المارّة تارة أخرى، هكذا هو يغيب في سلام أبدي ليبقى نتاجه الابداعي شاهداً على تفرده..

مؤلفاته.

– المهزومون، رواية، 1961.

– بلد واحد هو العالم، رواية، 1965.

– المدينة الفاضلة، قصص، 1969.

– شرخ في تاريخ طويل، رواية، 1970.

– ألف ليلة وليلتان، رواية، 1977.

– جرائم دون كيشوت، قصص، 1978.

– الوباء، رواية، 1981.

– التلال، رواية، 1989.

– خضراء كالمستنقعات، رواية.

– خضراء كالحقول، رواية.

– رسمت خطاً في الرمال، 1999

– خضراء كالعلقم، قصص، نشرت بعد وفاته.

المصدر :

http://levant.tv/AR/arabic-blog-posts

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *