Home / ثقافة ومجتمع / المال السياسي والعقدة العلوية . وائل رئيف سليمان

المال السياسي والعقدة العلوية . وائل رئيف سليمان

على مدار سنة ونصف منذ هروب بشار الأسد وحله الجيش وما بقي من الدولة لمصلحة تنظيم القاعدة ومشغليها، مثلت معضلة التمويل السياسي في المجتمع العلوي وفي إقليم الساحل عموما تفصيلا جوهريا على ما نشهد من نشاط وأداء. لم يتوقف الأمر فقط عند عام ونصف فهو ينسحب إلى سنوات قبل إزاحة النظام البعثي الدمشقي وهو ما عاينته من داخل المنظومة كناشط سياسي وصحفي وليس كمراقب.
أعجبك الامر أم لا؛ فالمال شريان نابض يوجه مسار العمل العام ويحدد مآلاته في مسافة فاصلة بين مصلحة الإقليم وأجندات الجهات المانحة سواء كانت محسوبة على الإقليم أو من خارجه.
تتخذ هذه المعضلة شكلا أكثر قسوة وعبثية، وعلى نحو أكثر تركيزا في السياق العلوي المرتبط بسياق سوري وإقليمي، كان الرهان على نخب مالية من داخل البيئة لتشارك! في دعم مشروع سياسي مستقل وهما تكسر على صخرة الواقع الذي لا يتحرك فيه إلا المحسوبين على شبكات الأسد سابقا ومعروفين بالإسم. لاتنتج سيغارة الحمراء الطويلة واللفحة الحمراء خطابا ولا تصنع نخبا سياسية، ولا مال الضباط أو أزلام النظام، فالمسألة تتجاوز رصف الكلمات شلالات على المنصات الافتراضية. يحتاج الأمر ليغدوا نتاجا تفاعليا حيا، وشبكة علاقات عامة، وبنية تحتية صلبة تفتقر الساحة العلوية إلى أبسط مقوماتها ولن تؤسسها فقط اجتماعات الزووم والواتساب وشبكات المعارف العاطفية.
فخ التمويل واغتيال المشروعات الجادة
بات جليا أن كل دولار سكب في المشهد السياسي العلوي خلال السنة والنصف الفائتة، من جهات مرتهنة لمحور موسكو أو جماعة الجولاني وداعميه أو شبكات عزمي بشارة، صمم خصيصا لاغتيال أي حراك سياسي تقوده نخب نظيفة الكف. هنا يبرز التساؤل الجارح: كيف للمشتغل بالشأن العام، من أبناء الشعب العُلوي في الداخل أو الخارج، أن يمارس فاعليته السياسية بجيوب خاوية، ضمن مسرح لا يعرض فيه سوى المال المدنس أو المشروط؟
لا يستقيم، بأي مقياس أخلاقي أو عملي، مطالبة ناشط في الداخل السوري تطحنه رحى الجوع واليوميات القاسية بأن يحمل لواء الشأن العام دون غطاء مادي يقيه غائلة العوز، فالجهد السياسي استنزاف حقيقي للوقت والطاقة والذهن. وفي المقابل، من السذاجة التعويل على أثرياء الحرب، من ضباط الأسد الفارين ومشايخ السلطة الفاسدين بالعمامات والطرابيش والقنابيز، لدعم مشروعات نهضوية أو فيدرالية تخدم الإقليم؛ فهؤلاء لن يبذلوا فلسا واحدا خارج دوائر مصالحهم ومصالح أبنائهم وعائلاتهم.
نحو مؤسسات سيادية شفافة.. مشاركة عامة
أمام هذا الاستعصاء، تقع المسؤولية الكبرى على كاهل العلويين في الشتات. يكمن المخرج الوحيد في مأسسة العمل عبر تأسيس “صناديق”، مؤسسات أو جمعيات مرخصة رسميا مفتوحة للتبرع، مكشوفة بشفافية مطلقة، ومربوطة بنظام مصرفي أوروبي يخضع للأصول المرعية والرقابة الصارمة ونظام إدارة شفاف…الخ ستكون هذه المؤسسة مع غيرها من محاولات مثلها كفيلة بتغطية النفقات الإعلامية واللوجستية التي يتطلبها العمل السياسي، وكل ما يتعلق به من علاقات عامة ونشاطات ثقافية وإعلامية، فالمبادرات الفردية وحدها لا تكفي وهذا نمط من مشاركة المجتمع في إنتاج الخطاب والمشاركة في القرار وشرعنة التمثيل، وتحرير الناشطين من سطوة المال المشبوه في أبسط الأمور كدفع تكت طيارة، وتوفير الحد الأدنى من التفرغ اللازم للعاملين في الداخل على أقل تقدير!
لا يخلو هذا الطرح من تحديات، أولها وآخرها معضلة “التنظيم والإدارة”.. لكن الطرح يتعلق بمبادرات عدة لنفس الهدف وليس صندوقا او مؤسسة واحدة، وبالتالي أسئلة من قبيل من سيدير هذا الصندوق؟ هل هم أفراد أم مجموعات؟ وكيف تُضمن استدامة شفافيته ومن يدعو إليه.. لن تكون صخرة تقطع طريق العمل!
سنصل لمرحلة نستنفذ فيها وسائل الاعتماد على جيوب الأفراد والمبادرات الشخصية. لم يكن “المال السياسي” يوما سُبّة أو عيبا متى ما حددت غاياته وصدقت نواياه، ونقل النشاط السياسي العلوي تحديدا من دائرة العجز والتنظير الطوباوي، إلى ساحة الفعل والتأثير.
*  وائل رئيف سليمان ، ناشط سياسي وصحفي .

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *