°
, May 19, 2024 in
آخر الأخبار
تفاصيل

المُقدّس بفرعيه السماوي والأرضي . عبد الحميد يونس *

الذاكرة العربية على المدى القصير والطويل ، تحتفظ بنسخ مشوّهة وبائسة لأنظمة حكم دموية شوهاء ، ليس أولها الاستبداد الديني الأعمى القائم على فكرة تفويض أولياء النعمة بملكية الحياة من قبل ملكوت السماء ، ولا آخرها الاستبداد العسكري الانقلابي الأعور والقائم على فكرة التفويض نفسها بملكية رقاب العباد.. وهكذا لا نكاد نعثر في هذا المخزون المشوش إلاّ على المشاهد المرعبة لتعسّف القوة وقوّة التعسّف.. ولهذا ستكون المفاهيم المحدثة مثل الديموقراطية والحرية والمساواة وحقوق البشر وسوى ذلك من الأفكار ( المستورة ) التي ينادي بها المتنورون أشبه ما تكون بتهم أو رذائل تُلصق بسهولة بأولائك الخارجين على الظلم المتوارث كما لو انهم خارجون على القوانين الطبيعية أو النواميس الكونية أو أرباب العالمين .. ! وفي هكذا مناخات وذكريات وخيبات ليس أسهل على الكراسي المقنّعة بالفضائل والشيم الأصيلة من الدخول إلى المستودعات الراكدة في فضاءات الرؤوس المثقلة بالهزائم ، لتحتلّ فيها المكان الأرفع والمكانة الأبقى .. بالمقابل ليس أصعب على الفكر السياسي المعاصر من اقتحام تلك المناطق شبه الصحراوية الخاوية إلاّ من المقدس بفرعيه السماوي والأرضي ، هذا الخواء الذي تكفل على مدى الوقت من إخماد أو إجهاض أكثر الولادات التي كان يجب أن تقوم تحت الضغط الهائل القادم من فوق ومن تحت في وقت واحد ، وبدل أن تولّد هذه الضغوط ولادات جديدة ، كانت تهرس هذه الولادات بين فكيّ تلك الكماشة الرهيبة ، وتهرس معها بقايا الأحلام التي طالما راودت المخيال الحرّ للمفكرين الباحثين عن الأحلام التي ما زالت محبوسة في المستودعات المقفلة للصوص التاريخ ..
ألا تلاحظون ردود افعال فكيّ الكماشة برجالها الميامين وردود أفعال الكراسي وعابديها وتابعيها ورافعيها ومستمطري أرجلها كيف أنهم جميعاً لا يكفون عن كيل التهم والشتائم وتحريك آلاف الشياطين والقرود في وجه آخر انفجار للبركان العربي الخامد منذ قرون ، وحقنه بشتى الأكاذيب وتفخيخه وتحويطه وتربيطه وتحويل رعوده إلى هدير مجانين ، بحيث لم يعد هو نفسه يعرف شماله من اليمين ولا شرقه من الغرب ولا قريبه من البعيد .. ؟؟
.. لن تنجح انتفاضات الشعوب في يوم وليلة ولا في عام أو عامين ، لن تنجح بمجرد أن تقوم أو تهبّ أو تركض أو تخبط ، ولا بمجرد أن يسقط رأس من الرؤوس الكثيرة للتّنّين .. في كل يوم هي معرضة للسرقة – فما اكثر اللصوص ! – معرّضة للفشل القريب أكثر من النجاح السريع ، وللتشويه وللتّفريغ وللتّزوير ، وللكثير من احتمالات المراوغة على الدروب .. لكن الذي لا يشك فيه عاقل هو أن ما بعدها لن يكون كما قبلها حتى لو آلت إلى فخاخ لا تطبق إلاّ على صفير الهواء .. فتحت هذه الانفجارات مسارات لن يستطيع احد ان يغلقها أو يلغيها أو يعيد عجلة الزمن إلى سابق سيرها السلحفاتي القديم .. من هنا سيكون للتشاؤم بمرجعياته القريبة كل المشروعية ـ كذلك للتفاؤل بموجباته البعيدة ..
إن رأيت أحداً من جيرانك يزرع شجرة بلح أو زيتون أو خرنوب .. ثم يذهب لقطف الثمار في اليوم التالي أو بعد شهر أو سنة .. ماذا تسميه ؟
اسألوا أصحاب الأرض وقراء المناخ والعارفين بطبائع الفصول .. ! القوا بكل ترهات اللصوص وتخرصات المنجمين .. لملموا كل صور الفاسقين المزوّرين الراكبين صهوات الريح حيث تتجه الريح .. لملموها من بيوتكم ودفاتر أولادكم ومن رؤوسكم .. ثم اتّجهوا إلى أول مزبلة ..
أو ..تحولوا أنتم إلى تنابل على مزابل !!

* أديب سوري ، من طرطوس .

المصدر : صفحة الفيسبوك الشخصية https://www.facebook.com/abdalhamid.younes?fref=ufi