أخبار عاجلة
الرئيسية / ثقافة / رواية الأرض ، الحلقة الثامنة ل : د محمد عبدالله الأحمد .

رواية الأرض ، الحلقة الثامنة ل : د محمد عبدالله الأحمد .

-24-
كانت عائلة شحادة تلتحف السماء و تنام في حدائق دمشق، و عندما تستطع الشمس يجلسون جميعاً على رصيف المرجة لبيع أي شيء يتسنى لهم، فلقد أشار لأمهم أحد تجار البزورية أن تشتري من عنده، و تصر البضاعة في حصص صغيرة و تبيع على الرصيف ، فكان لها أن أمنت بعض المال لتقيم أود أطفالها و نفسها . وفي أحد الأيام قرر التاجر و كان اسمه محمد الشرباتي أن يتعمق في سؤال المرأة عن حالها، و سر مأساتها .
-اختي حكيلي شو قصتك انتي ؟
دامعة العينين حكت له قصة حبس زوجها ظلماً ، و كيف منعت عن رؤيته و لو لمرة واحدة، و حكت له قصة الجريمة التي حصلت في حمص .
كان الرجل ذا مرؤة و أخلاق ، قال لها :
-هادا ابتلاء من رب العالمين، لا تخافي يا اختي ! أنا رح ساعدك
-كيف رح تساعدني
– أول شي رح تضلي تشتغلي أنتي وولادك معي و رح جبلكن عرباية، و تاني شي رح روح معكن ع المخفر و نشوف الرجال و هاد حقك .
-الله يوفقك و يطول عمرك يا خي
في اليوم التالي ذهب محمد شرباتي برفقة العائلة إلى مخفر الحلبوني، و تحدث مع رئيس المخفر، مقدماً له هدية صغيرة من نتاج محله، حيث تغيرت معالم الشرطي و تعامله بالكامل .. فأسرع القول :
-حكاية شحادة كبيرة يا حجي أخدوه ع القلعة و المحكمة بكرا بالقلعة، و بيجوز ياخد اعدام !
-له له لك الزلمة بريء
– الحاكم العسكري الفرنسي بذاتو مهتم
-اف الحاكم الفرنسي !!!!
– إيه .. انت ما عم تقرا شو عم ينكتب عن القصة بالجرايد ؟
– لا والله
– إي خود شوف
-25-
خرج محمد شرباتي ممتقعاً من المخفر محاولاً إخفاء قلقه و لم يجب عن أسئلة المرأة و أولادها، بل قال لهم :
– الحقوني
سار و سارت وراءه العائلة عبر حارات دمشق القديمة حتى وصلوا إلى منزل المحامي عبدالحميد الغزي ، قرع التاجر الباب فخرج له الأستاذ الغزي بنفسه :
-السلام عليكم
– و عليكم السلام
– استاذ أنا آسف ما بعرف وين مكتبك بس بعرف البيت، و عندي قضية مستعجلة .
– إي تفضل أهلا و سهلا
دخل و دخلت أسرة شحادة معه، حيث روى هو و أم جبر كل القصة، للمحامي الذي قال :
– كل الشام بتعرف الحكاية و الزلمة وضعه صعب، واضح أنو الفرنساوية بدهن يستغلوا القصة
– كيف يعني ( سألت هيام )
– يعني فتنة بين السنة و العلويين واضحة، خصوصاً انو بدهن التقسيم .. يمكن يا تفهموا عليّ !
– لا بفهم استاذ أنا دارسة صف الكتاب كله بالضيعة و علمني عمي توفيق و بيّ
– يا بنتي المطلوب الفتنة بين الساحل و الداخل لإنشاء دولة الساحل و تقسيم سورية ، هالحكي بيصير واقع بتأجيج الكراهية بين المذاهب .
– فهمت
– أنا رح اجي معكن ع القلعة نزور شحادة و نشوف شو بدنا نساوي

-25-
في مقر المندوب السامي الفرنسي و بحضوره في بيروت جلس ثلاثة من الرجال يتحاورون حول مستقبل البلاد السورية ، و لم يكن المندوب السامي مرتاحاً لما يحصل . قال المندوب السامي :
-أيها السادة نحن من يستطيع إقناع الجنرال ديغول، بأن السوريين بحاجة لنا .. سيادته على استعداد في أية لحظة لإصدار الأمر بالانسحاب من سورية و لبنان إلا إذا تصرفنا بشكل صحيح ! و التقصير في عملكم واضح . البدء بإقامة كيان علوي مهمتكم الأولى، لأن هذا سيمدد وجودنا هنا و تحقيق مصالح فرنسا ! الكيان العلوي سيطلب حماية و تعاون و دعم عسكري ، و سنوقع مع حكومة الساحل اتفاقيات استراتيجية ، في نفس الوقت سيكون السنة بحاجة ماسة لنا لأنهم سيطلبون تدخلنا لإعطائهم منفذاً على البحر ، و نحن سنعدهم بذلك ! يعني يا محترمين مصالح فرنسا العليا في أيدينا الآن .
-سيدي الغاية النبيلة هذه تبرر الواسطة
– ماذا تعني ؟
– أعني أن علينا الانتصار لتيار الانفصال مهما كان الثمن
– و ماذا تنتظر ؟؟

-26-
بعد أن زار عبدالحميد الغزي شحادة في القلعة في نفس يوم المحاكمة و بصم له شحادة على ورقة توكيله كمحامي دفاع ، انتقلوا إلى المحكمة التي تقع في القلعة نفسها ، و كان العسس برفقة المتهم شحادة، و من خلف الجميع كان محاميه و محمد شرباتي و العائلة بكل أفرادها، يمشون باتجاه القاعة .
صاح المنادي : محكمة
دخل على إثرها ضابطان فرنسيان و قاض سوري ثم جلسا إلى المنصة، إضافة للمترجم، و الإدعاء . قال القاضي الفرنسي :
نحن بصدد النظر في القضية رقم 312 للعام 1945 جنايات ، تقول حيثيات القضية أن المتهم العلوي شحادة محمد علي قتل مشغله صاحب الأرض السني سري سليم الجندلي في حمص . ثم نظر للمتهم وسأله :
-هل تعترف بأنك قتلت الضحية يا شحادة
– أبداً يا سيدي كنت عم ضب غراض العيلة لنرحل …
قال القاضي مقاطعاً :
– بعدين … بعدين بتحكي ، مذنب أو غير مذنب ؟
– بريء سيدي براءة الذيب من دم يوسف عليه السلام
– الإدعاء يتفضل
-السادة القضاة لقد قام المتهم الماثل أمامكم بطعن المغدور، مدعياً أنه حاول مغازلة ابنته، الموجودة هنا في قاعة المحكمة، و أشار لهيام ، و ذلك بشهادات موثقة موجودة أمامكم من بعض من حضر الواقعة ! و هكذا يتوفر الدافع لارتكاب الجريمة ، فإذا قبلنا هذه الهمجية و الوحشية في التعاطي مع هذه القضايا، سيتحول المجتمع السوري إلى مجتمع وحوش لا مجتمع بشر أسوياء ! لذلك أطلب الحكم بإعدام المتهم ليكون درساً لكل من يعتدي على أمن الشعب و المجتمع ، خصوصاً بوجود النوازع الطائفية ، التي تهدد استقرار سورية .
القاضي : محامي الدفاع
– عبدالحميد الغزي حاضر عن المتهم
– تفضل
– قبل أن أبدأ بتبيان الحقيقة ، احتج على ورود عبارات طائفية في كلام القضاء أثناء النظر في الدعوى، الأمر الذي سوف يؤثر على سير العدالة، و في هذا مخافة للقانون الذي يتوجب النظر في كل قضية معروضة بتجرد كامل . أما الأمر الآخر فهو إشاعة الفتنة بين السوريين خصوصاً بوجود صحفيين في القاعة، و كلنا يعرف أن هناك صحفيين غير مسؤولين أو مدفوعين …..
قاطعه القاضي الفرنسي :
-سيد غزي ليس من حقك الدخول في السياسة هنا، و نحن نعرف توجهاتك السياسية، أنتم هنا للدفاع عن مجرم قاتل فقط
– كل متهم بريء حتى تثبت إدانته يا سيادة القاضي، و أنا أستغرب كيف يمكن لكم أن تنعتوا موكلي بالمجرم و لم يصدر حكم بحقه بعد ؟ و إني لأخشى أن علي المطالبة بتغيير القضاة في هذه المحاكمة، لأنهم متحاملون على المتهم .
هنا يخرج القاضي السوري عن صمته فيقف قائلاً :
-أيها السادة : إني أوافق محامي الدفاع فيما ذهب إليه و أطلب قضاة سوريين لمحاكمة المتهم ، و إلا فسأنسحب من هذه القضية .
حدث هرج و مرج في القاعة ، و بدت علامات السعادة على وجه عبدالحميد الغزي، أما القاضي الفرنسي فصاح بعصبية :
-يؤجل النظر في الدعوى إلى يوم الغد في نفس التوقيت

يتبع

-27-
كان الرئيس الأتاسي قد أخبر الرئيس القوتلي عن انشقاق حامية تلكلخ، هاتفياً و بأنها قادمة إليه لتقديم السلاح و الولاء لسورية و رفض التقسيم . فأمر الرئيس القوتلي باستقبال الحامية و تكريمها و إعداد ثكنة قطنا من أجل عرض السلاح!
وفي اليوم التالي توجه الرئيسان و صحبهم في موكب، نحو الثكنة العسكرية التي صارت بواقع الاتفاقات مع الانتداب تحت السلطة السورية .
قدم الجنود و قائدهم السلاح في مشهد مهيب للرئيس القوتلي، و جهر النقيب معيوف بعد تقديم السلاح بالقول :
-يا سيادة الرئيس أيتها الحكومة السورية الموقرة ، اسمحوا لي باسم جنودي جنود الجيش السوري ، و ليس جنود جيش الشرق كما أسماه الفرنسيون طويلاً، اسمحوا لي باسم هؤلاء الرجال من جنود و صف ضباط و ضباط أن نضع أنفسنا تحت تصرفكم – سيادة الرئيس – و تصرف حكومتنا السورية العتيدة ، و أن نقول لا !! للمحتل الذي أراد منا تقسيم البلاد ، و ما مجيئنا إليكم إلا رغبة عميقة منا بالتضحية بالغالي و الرخيص لكي نحصل على استقلالنا الناجز اليوم قبل الغد .. عاشت سورية حرة واحدة مستقلة !
أما الرئيس القوتلي فقد قال :
-أيها الجنود السوريون الأبطال، أيها المقدم محمد ! .. نعم أيها المقدم محمد الذي أرفعه اليوم و أمام الجميع رتبتين رتب تقديراً لوطنيته و لتضحيته ، و أيها الجنود أرفع كلاً منكم رتبة عسكرية و اعتبروا هذا قراراً رئاسياً .. أقول لكم : هذا الوطن العظيم الكريم سيحيا مهما كانت المؤامرات ضده، و مهما فعل المستعمر الذي يعدنا في كل يوم أنه سينسحب ، و لكننا نعرف خططه و مؤامراته ضد بلادنا، و ها هو المقدم محمد معيوف يقدم دليلاً أكيداً على الغدر الذي يمارسه المندوب السامي الفرنسي من مقره في بيروت . و أنا أعدكم و أعد شعبنا السوري بأن هذه القضية سوف تكون مثار بحث في المنتدى الأممي ، و مع الرئيس ديغول شخصياً .
أيها الرجال أيها الأبطال
نحن شعب واحد ، وحدنا الكفاح و المصير و التاريخ ، وحدنا الأمل المشترك في صنع وطن الفداء و التضحية ، فكونوا واثقين من أن كفاحكم و صبركم هذا لن يذهب هباء، و أن الحكومة السورية تعمل على تحقيق مطالب الشعب كل الشعب من حلب و الدير شمالاً و شرقاً حتى درعا و السويداء جنوباً مروراً بدمشق قلب هذا الوطن المفدى و لا ننسى أياً من حواضرنا و مدننا و قرانا التي نعتز و نفتخر بالانتماء إليها جميعاً دون أية تفرقة بين المواطنين . و نحن على موعد مع الاستقلال و الجلاء ، شاء المستعمر أم أبى .
عاشت سورية .

-28-
في الخلوة التي جمعت الرئيسين الأتاسي و القوتلي مع المقدم معيوف و بعض أعضاء الحكومة، قال أحد الوزراء للرئيس :
-سيادة الرئيس في موضوع عم يثير قتنة بالبلد وراه الفرنسي و أعوانه
– موضوع الفلاح شحادة ؟
– نعم سيادتك
– للأسف بالاتفاقية الموقعة بيننا و بين الفرنسيين لازال القانون الفرنسي و المحاكم الفرنسية عاملة في سورية حتى الآن، بس أنا بعتت مذكرة للفرنسيين بأن الحكومة السورية تتابع الموضوع و تراقبه ، و لا نريد إلا العدل و عدم اقحام المذاهب بالجرم . ووجهت أيضاً لمتابعة الصحفيين الي عم يستغلوا الموضوع و بعرف مين وراهم ! بعد الجلاء سيكون للقضاء السوري الكلمة العليا .
-29-
كانت عائلة شحادة محمد علي أمام فاجعة كبرى عندما أخبرهم الأستاذ عبدالحميد الغزي ، أن الفرنسيين شكلوا محكمة خاصة عاجلة صبيحة اليوم ، و حكموا على شحادة بالإعدام شنقاً ، و نفذوا الحكم فوراً في ساحة القلعة !
كانت الكلمات بالكاد تخرج من فم المحامي و هو ينظر في وجوه العائلة المنكوبة، التي لم يعرف بأي كلام يعزيها .
أما هيام فلقد حضنت أمها و إخوتها و شدتهم إلى صدرها ، و هي تبكي بحرقة! و الكل يبكون .
قال الغزي للحج محمد
-الي قاهرني يا حجي أن قاضي سوري قبل يطلع الحكم باسمه
– مينو هاد ؟
– أسقط الناس يا حج محمد الي بيقبل المنفعة الحرام !

نهاية الفصل الأول

شاهد أيضاً

تعقيب على قرار المحكمة الدستورية العليا السورية اليوم بخصوص قبول طلبات الترشح

قررت المحكمة الدستورية العليا اليوم في سوريا قبول ثلاثة طلبات ترشح في الانتخابات الرئاسية المفترضة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *