أخبار عاجلة
الرئيسية / قضايا / حوار مع محمد (أبو علي) صالح (2): الطائفية ومجزرة الساعة في حمص

حوار مع محمد (أبو علي) صالح (2): الطائفية ومجزرة الساعة في حمص

*ينشر هذا الحوار ضمن الطاولة المستديرة ما الذي تبقى من اليسار السوري؟

هذا الجزء الثاني من حوار من جزئين أجراه عمر عباس، يمكن الإطلاع على الجزء الأول هنا.

‫‫يعد محمد صالح، المعروف بأبو علي صالح، أحد أهم شخصيات الحراك السلمي الأهلي والمصالحة في مدينة حمص، ومن الشاهدين على أحداثها من ثورة وحرب، وفي هذا اللقاء، يتابع أبو علي حوارهمع عمر عباس لصالح صالون سورية حول تطور الأحداث التي خبرها هناك، وتحديداً الوضع في حمص في أعقاب الحراك الشعبي الذي بدأ في درعا.

‫‫كيف كان الوضع في حمص عند بداية الحراك؟

‫‫لم أكن موجوداً عند بداية المظاهرات، إذ كنت في مدينة السلمية بسبب وفاة والدتي، لكن كما كل معتقل سابق، تولدّ لدي الأمل بكلمة الـ ”لا” التي لم نتوقع سماعها ونحن على قيد الحياة. كنت آمل أن يتحسن الوضع وأحذر من حمل السلاح، كان مطلبنا ديمقراطياً حقيقياً، لا لحلول ديكتاتور محل آخر. لم نكن نريد حدوث اقتتال، لأنّ الانقسام والدم يجلبان الكراهية وهي بدورها تسفك المزيد منه، لذا حاولنا أن نبعد فكرة التسلح قدر الإمكان.  لم أقرأ قبلاً عن ديمقراطية أتت بالسلاح، نحن نريد ديمقراطية وليس مجرد استبدال سلطة مستبدة بأخرى، ولهذا كنت أختلف مع شعار إسقاط النظام الذي كنت أدعو لاستبداله.

بدأت ألتقي بمن تربطني معهم علاقة سابقة من اليساريين بشكل أساسي، وبعض الإسلاميين غير المتطرفين، التقيت بالشيوعيين والإسلاميين والقوميين ولم يكن لدي أية مشكلة مع الشخص الذي ألتقي به طالما أنه صادق، فهذا البلد أو الوطن أو سمه ما شئت لنا جميعاً وعلينا أن نعيش معاً سواءٌ أعجبنا ذلك أم لا، ويجب أن يقرر من يسكن على هذه الأرض كيف يحكمها. لا أقبل أن أميّز بسبب انتمائي، وكذلك لا يمكن أن أميز أحداً بسبب انتمائه. حاولنا في بعض المناطق أن ننسق بعض الشعارات، وكنا نوصل ما هي رؤيتنا لمن يمسك بالأمور، بعد الشهر السابع من العام ٢٠١١ لم يعد يحصل ما تمنياه. بدأت آنذاك تنتشر الجرائم من خطف متبادل، وتبادل أسرى، وقتل رهائن، إضافة لعمليات القتل على الهوية الطائفية. يوم العار كان في ١٦ من شهر تموز حيث قتل ٣٠ شخصاً مقابل ٢٤ شخصاً من الطرفين، وَجهتُ آنذاك مناشدات لأهلنا بالخالدية، “ماذا يعني لكم خطف الناس الذاهبين للكراجات أو إلى عملهم؟” فهي كانت طريق ممر للوصول لأعمالهم، وكانت تشهد العديد من عمليات الخطف، الأهالي رحبوا بالرسالة لكن لم يتغير شيء. هناك مناطق أخرى، لكن هذه المنطقة لا يمكن تفاديها وخاصة كراج الانطلاق. وبدأت تزداد حالات القتل على الهوية، فأحياناً تُكتشف ثلاثين جثة، وكان القتل لحسابات شخصية، كأن ينتقم شخصاً قُتل فرد من عائلته بقتل أعداد كبيرة من عائلة أخرى من الطرف الآخر.  ساهم بزيادة انتشار هذا الجرائم معرفة القتلة بأنهم سيفلتون من العقاب ولو مرحلياً، كما كان الشحن الطائفي غير مسبوق. المجزرة الكبيرة التي شهدتها المدينة حصلت إثر قبول مبادرة الجامعة العربية في شهر نوفمبر ٢٠١١، حيث نزل بعض الحثالات ممن أسميتهم “شبيحة الثورة” إلى الشوارع، وقتلوا بضعة أشخاص يستقلّون سيارات عامة، وخطفوا أباً وابنه وقتلوهما، فكان الانتقام رهيباً وخارج القانون والأخلاق في ساحة الزهراء حيث تم قتل ٣٤ شخصاً من قبل عناصر من الشبيحة التابعين للأمن الجوي، بما بات يُعرف محلياً بمجزرة “الفندي”، نسبة للعقيد هيثم فندي، وكان القتل قد حدث على أساسٍ مذهبي، وأنا أروي هذه القصة تحديداً لأني أعرفها عن قرب وأعلم كيف حصلت.

تعرّض العديد للخطف لساعات تعرضوا أثناءها للتعذيب والنعت بألقاب بذيئة، وسمعت هذا كله من أصحاب العلاقة وعائلاتهم. وفي بعض الأحيان كان الشخص الغريب عن الحارة يُقتل عند دخوله إليها لرعونة المسلحين من اللجان الشعبية وبسبب الخوف، وليس قتلاً طائفياً، قُتل مثلاً أشخاص من نفس الطائفة لكنهم غرباء عن الحي، كما ولو أنك في غابة تطلق النار على أي حركة غريبة من الخوف، وقد كان غياب الأمن في تلك الفترة مقصودا لدب الرعب. بعد الشهر السابع تصاعد القتل الطائفي كثيراً، ليشهد الشيعة تهجيراً ممنهجاً في حي البياضة، وأصبحت الأحياء أكثر تماثلاً طائفياً، إما سنية أو من بقية الطوائف بسبب الخوف المسبق والتهديد المباشر. قليلة فقط الأحياء التي حافظ على تنوعها المختلط طائفياً، منها الوعر وطريق الشام وعكرمة والجامعة وحي الادخار.

جاء مسلحون لمنازلنا وهددونا مباشرة، وقالوا لنا: “لا نريد إلا سُنة بين بابا عمرو وطريق الشام”، ونقل رفاقي لنا رسالة: “أنتم جيدون لكن لديكم عشرة أيام لتخلوا المنزل لأننا لا نريد غير السنة”. لاحقا جاءني شخص لا أعرفه وسألني: “من يزعجك؟” أبلغته عن اسم المجموعة التي هدّدتني، فحّل الإشكال وزال عنّا التهديد. بقي في حينا بيتان أو ثلاث من غير السنة، بعد أن كان موزعاً بالمناصفة تقريباً. في الحي نفسه قتلت مجموعة مسلحة معارضة مهندساً لأنه علوي ومن ثم مهندس آخر لأنه شيعي، كنت أعرفهم شخصياً، لكني لم أكن أعرف انتماءهم المذهبي قبل ذلك. ثم خطف مسلحو المعارضة شخصاً آخر مسيحياً، استطعنا إخراجه قبل أن يقتل، كما قتل جاري وصديقي الدكتور مصطفى سفر أمام مدخل عمارته في حي الشماس في ٣٠ كانون الثاني/ يناير ٢٠١٢، بالرغم من أنه سني. أعتقد أنّ عمليات الاستهداف الطائفي هذه لم تكن مجرّد مصادفة. أذكر في شباط ٢٠١٢ أني قد ذهبت لزيارة أقربائي في منطقة الساحل بعد مقتل جاري، وسمعت بعد وصولي أنه قد عُثر على جثتين بالقرب من المركز الثقافي، وعندما عدت لأتفقد بيتي وأخذ بعض الأغراض، استفسرت عن هوية الجثتين؟ فعرفت أنهما قتلة الدكتور مصطفى سفر، وهما أخوان من عشيرة تابعة لطراد الملحم التي تتبع لقبيلة عنزة وهذا كل ما أعرفه. لم يكن واضحاً ما هدفهم من القتل، سمعت العديد من الروايات المتناقضة حول هوية القتلة، شباب الجيش الحر في الخالدية قالوا إنهما تابعان لهم، وتمت تصفيتهما من قبل مجموعات مسلحة أخرى. في يوم ٣ شباط/فبراير حدثت مجزرة كبيرة في حي الخالدية عندما سقطت قذيفة هاون ليلاً، وعندما تجمع الناس لإسعاف الجرحى سقطت أخرى ليصل عدد الضحايا إلى المئة، كان قد سبق المجزرة هجوم من أبناء الحي على حاجز المستوصف. بعد ثلاثة أيام بدأ القصف على حي بابا عمرو، وكانت الحملة العسكرية الكبيرة التي استمرت لنحو عشرين يوم وانتهت بتهجير الأهالي والمقاتلين بشكل شبه كامل.

عندما رأينا الدمار الذي حصل في المناطق الأخرى، أصبحنا نقول أنّ حيّنا لم يتدّمر كثيراً رغم ما فيه من دمار، لكن بالمقارنة مع غيره كان بسيطاً. عدت لحيي إلا أن نسبة السكان الذي عادوا إليه لم تتجاوز خمسة بالمئة، سكان حي الجندلي أيضا خرجوا ولم يبق فيه أي أحد، وطبعاً تمت سرقة كل شيء يمكن حمله.

تم تطويق المسلحين في حمص القديمة، وفي حي الخالدية مع عائلاتهم، وشهد حركات نزوح إليه من حي النازحين ومن كرم الزيتون، وكان آخر يوم استطعت الدخول إليه في ٢٣/١/٢٠١٢، حيث حصلت مناوشات والشباب محاصرون بالداخل. سافرت من حمص الى دمشق مرتين كل يوم، سعياً مني لتأمين هدنة لحماية حمص من التهدّم على رؤوسنا، وبجهود كبيرة تم انقاذ مدنيي الوعر، وبقي الأهالي والمقاتلين في الداخل وحواجز الجيش، وأخبرني من بقي من الأهالي أن الجوع كان شديداً ولم يبق شيء في الشارع لم يتم أكله، بينما يأتي الطعام الساخن للمسلحين يومياً من الخارج بشكل منتظم، وأميل لتصديق ذلك لأن شخصاً محاصراً من عسكر المعارضة طلب مني دخان، فقلت له كيف سأوصلها لك، وليس لدي أية علاقات؟ فأجابني: ضعه عند حاجز الجيش السوري عند القلعة وقل لهم “أنه للشباب”. ليس بالضرورة أن تكون هذه العلاقة عمالة، فهناك عدّة احتمالات أخرى للعلاقات المشتركة منها القرب والمال والمصالح. التقيت بأكثر من عائلة وروت لي ذات القصص رغم أنهم لا يعرفون بعضهم، ومقاطعة هذه القصص جعلتني أصدق ما قيل لي.عندما خرج جميع المسلحين من المدينة القديمة، دخلنا ورأينا الدمار ومن بقي لآخر لحظة بالمدينة القديمة، وفي تلك الأثناء جرت محاولات كثيرة ممن يهمه وقف المذابح من كل الأحياء بغض النظر عن التوجه السياسي والانتماء الطائفي، دخلت أنا بتشكيل ما سمي “بلجنة التضامن الأهلي” وكان مؤلفاً من حوالي ثلاثين شخصية من حمص من مختلف التوجهات الموجودة لكن الأغلب يساريين. لم تكن للجنة فاعلية كبيرة وكان أغلب رموزها مؤيدين للحراك الشعبي، لم يكن معنا أحداً موالياً للنظام بالحقيقة، فحتى غير المؤيد للحراك الشعبي كان أقرب للحياد، وهذه نقطة ليست جيدة برأيي، فالمجموعة الأهلية يجب أن تتضمن مؤيدين لتحقيق سلم أهلي بين أطراف متعددة. لم نستطع أن نجلب مواليا ً لصفّنا وفي الوقت نفسه لم نكن نستطيع أن نقول لمن يطلق الرصاص من المعارضة أن يفعل شيئاً، فكيف كنا سننجح في تحقيقٍ سلمٍ أهليٍ في الوقت الذي يرفض فيه من يحمل السلاح الاستماع إليك؟

 إن دعيتَ لحوارٍ وحلٍ عبر محاكم الجمهورية العربية السورية طالباً وقف القتال، في الوقت الذي يواصل فيه خصومك عمليات القتل فإن تأثيرك سيكون شبه معدوم، ورغم ذلك استطعنا إطلاق سراح العديد من المخطوفين وحققنا إنجازاً في هذا المجال، وإن كان محدوداً. لكن توفير نقطة دم واحدة كانت بمثابة إنجاز، وقد تمكّنا من الإفراج عن بعض المخطوفين دون مقابل كبير، معتمدين على جهودنا وإمكانياتنا المالية المحدودة، فاعتمادنا كان ذاتياً، وولم يكن بمقدور أحدٍ منا دفع مبالغ كبيرة. كانت تأتي مطالبات بفدية تصل إلى ملايين الليرات سورية (قبل انهيار الليرة) لإطلاق سراح مختطفين، لكن سقف قدرتنا كان بحدود العشرة والعشرين ألف ليرة، وفي إحدى المرات عبئت برميل مازوت لشخص مقابل الإفراج عن مخطوف، وقد كلفني ذلك خمسة عشر ألف ليرة. كل أعضاء اللجنة وضعهم المادي مثل وضعي أو أقل قليلاً، وهذا كان في البدايات عندما كانت لدينا المقدرة المادية، لكن الآن أصبحنا ننتظر العشرة ليرات لنشتري رغيف الخبز، فالوضع أصبح أكثر سوءاً، ولم يعد هناك إنتاج أو عمل، والتقصير كبير.

لست قادراً على تجاوز النقص بالمعلومات التي أرويها، لأننا لم نصل للمرحلة التي أستطيع فيها أن أتكلم بحرية بعد، وهذه إحدى المشاكل الهائلة، ألا تكون قادراً على إيصال ما تحب أن توصله.  في عام الـ٢٠١١ حضرت بالصدفة اشتباكاً بين الجيش والمسلحين فتكلمت عن هذا بمداخلة شاركت بها في قناة البي بي سي البريطانية، فضُربت سيارتي برصاصة واحدة بعد ذلك. احتجوا جماعة التسليح من المعارضة، وسألوني لم أتكلم عن المسلحين وهم لم يقرروا الإعلان عن تسلحهم بعد؟ أجبت أنني لست ملزماً بهم، فنحن لم نتفق ولا يوجد بيننا توافق ولا أنتمي لجماعتهم، وأنا لن أقول إلا ما رأيت، فأنا لست بالسياسي الذي يخفي أو يكذب أو ينكر القتل الحاصل، دوري توصيل ما يحدث من كل الحقائق. في البدايات كان من حمل السلاح وقتل وخطف من حثالات المجتمع السوري، ومن قاموا بالاغتيالات بحينها هم من مروجي المخدرات والقوادين، ممن لهم تاريخ طويل في السجون وهم من حمل السلاح. هناك من هو مستعد أن يفعل أي شيء من أجل المال وضمن ذلك القتل. هذا ليس من طرف واحد بل طرفي الصراع، وعندما قلت للمحافظ، لماذا تسمحون لهم أن يحملوا السلاح؟ قال لي “كلب يعوي معك أفضل من أن يعوي عليك”، وعندما سألتهم نفس السؤال بحي بابا عمرو، أجابوني بالجواب ذاته، نفس الثقافة والنهج من الطرفين. وهذا يدل على الافتقار لأي هدف سام بمعنى دولة ديمقراطية أو عدالة، بل البحث عن سلطة وأنا لست معنياً بذلك، أنا أنشد إدارة تدير هذه الدولة ببعض العدالة، لا يهمني الأسماء لكن يهمني ألا يكون لديه سوابق إجرامية.

‫في كرم الزيتون، حدثت مجازر مرعبة خلال ٤٨ ساعة أثناء طرد المقاتلين منها، وكل نقطة دم كانت تفرقنا عن بعضنا أكثر فأكثر، لم تحدث الأمور بسرعة فكان من الواضح أن المطلوب هو سفك الدماء، وإلا لماذا يحدث الحسم السريع عندما يريدون حسم الأمور؟ فيما بأماكن أخرى يبقى القنص والقتل والقصف مستمراً؟ هناك أسئلة يجب أن يسألوها أحفادنا كي لا يتكرر ما حدث، إعلاميا كان يتم غرس الكراهية بطريقة غير مسبوقة، ولا نعلم إلى متى ستبقى آثارها، على الرغم من تعالي الكثيرين عن الكراهية والمحافظة على تعاملهم الإيجابي، إلا أن الأشياء السيئة تبرز عن الجيدة. في السنوات الأخيرة، أثناء مفاوضات خروج مقاتلي المعارضة من حمص القديمة(٢٠١٤) حصلت دعوات من قبل أهالي المخطوفين لعرقلة الاتفاق حتى يتم الإعلان عن مصير أولادهم لكن لم يتم ذلك، وقد أخبرني أحد المقاتلين أنه قد تمت تصفية جميع المخطوفين قبل الاتفاق، لكن لا أعرف إن كان الكلام صحيحاً، كما تمت تصفية الكثيرين من الطرف الآخر، للأسف التنافس بين الأطراف المتنازعة بات حول من يقتل أكثر ومن لديه الإمكانيات ليثبت أنه الأسوأ.

شهدت مناطق وأحياء الوعر والريف الشمالي والقرى التي كانت متعايشة تهديداتٍ لا طائفية فحسب وإنما عرقية أيضاً إذ تم استهداف الشركس المتواجدين من قبل البدو، الذين قالو لهم “سنعيدكم إلى القوقاز حفاة كما أتيتم، فهذه أرضنا وسنسترجعها”، ولم يكن هذا الموضوع سياسياً بل عبارة عن أخذ غنائم وسرقات وهذا مجرد جزء مما حصل. حتى بين من يريدون إسقاط النظام، كان لكل طرفٍ هدف مختلف عن الآخر، وهذه إشكالية في فهم السلطة والحق، فالسلطة تبدو وكأنها أداة لنهب المنطقة المسيطر عليها وليست معنية بإدارتها أو تحقيق رفاهية السكان، وهنا لا أستثني أحداً، فالجميع نهب ولدينا تجارب مباشرة مع كافة الأطراف. أعتقد أنه ليس لدينا وعي حقيقي للدولة، وقد سعت النخب السياسية للحافظ على مصالحها ومنع المنافسة.

هل كنت موجوداً باعتصام ساحة الساعة؟

‫وضعي الصحي لم يكن يسمح لي بالمشاركة، لكنّ أعداداً كبيرة من أصدقائي وأقربائي شاركوا في اعتصام ساحة الساعة. جاء العديد من المعتصمين من الدفن بعد مقتل العديد من الشباب الناشطين في وقتٍ سابق، وأقاموا الخيم والاعتصامات، يومها زحفت حمص للساحة لتعيش ساعات جميلة، وكان هناك إرباك حقيقي وغير مسبوق للسلطة في حمص.

كان في الاعتصام مشاركين من جميع الطوائف وجميع الاتجاهات السياسية، ولكن حدثت بعض الإشكاليات التي أزعجتني، فمثلاً تمّ تقديم أحد الشبان الذين أعرفهم ليخاطب المعتصمين بصفته ” ضيفنا العلوي بساحة الساعة.” وهذا برأيي من أسوء التعبيرات، لا أعلم لم غير السني هو “الضيف”؟ علماً أنّ المقدم علماني له تاريخ سياسي طويل وممن أعتبرهم جيدين فتخيل ما يدور برأس غير الجيدين، كان سلوكه جيداً ومحترماً، لكن هذه العبارة تخفي وراءها الكثير. بقي الكثير من الناشطين يعتبرون الناشطين العلويين ضيوفاً على الثورة، ومنهم من غادر وانتقل لمواقع أخرى من السلوكيات الطائفية.

لم يحسن منظمو الاعتصام إدارة المكان ولم يُقدّروا حجم الخطر أو يُعدوا أي خطة للطوارئ، إذ بدأوا بإخلاء المكان حوالي الساعة ١٢ ليلاً، وعندما انخفض عدد المعتصمين بدأ هجوم قوات النظام، وتسبب صوت الرصاص بهروب بقية المعتصمين. لو بقي الجميع لما استطاع النظام اقتحام المكان بسبب كثافة أعداد المعتصمين. للأسف، لا توجد أخبار مؤكدة عن أعداد الضحايا، لدي تأكيدات بمقتل سبعة أشخاص تلك الليلة، إلا أنه مازال هناك ١٩٠ مفقوداً من الاعتصام، لا نعرف مصيرهم حتى اللحظة. حوالي الساحة السادسة صباحاً، مررتُ بالساحة ورأيت الدم على الأرض وهو يغسل وشاهدت أعمال التنظيف وإزالة البقايا والخيم، وحوالي الثامنة والنصف صباحاً مررت مجدداً وكانت أعمال التنظيف مستمرة. لم أتجرأ على التصوير رغم عدم وجود أية عناصر أمنية أو شرطة في كل المدينة أثناء ذلك اليوم، كان يوماً خاصاً جداً. لم يكن هناك حتى شرطة مرور في الطرقات، فاستغل بعض المراهقين (١٥-١٦ عاماً) الوضع لنصب حواجز وبدأوا يطلبون هويات المارّة.

بعد الاعتصام خرج قانون التظاهر، وقدمت طلباً من أجل السماح بتظاهرة تخرج من حي باب السباع وتصل لحمص القديمة، رفض طلبي مدعيّن أن المظاهرة تخرج من المسجد، وذلك غير مسموح، رغم أننا لم نقل أنها ستخرج من المسجد أبداً، أيضاً تحججوا بأننا لم نستطع حماية الأماكن العامة، رغم أن ذلك ليس من مسؤوليتنا. بحثنا عن ممثلين من طوائف متعددة ليشاركوا معنا، لكن أنا من تقدمت بها وأنا من تلقيت الرفض، وقد عرفت أصلاً أن الجواب سيأتي بعدم الموافقة.

‫كان الخوف كبيراً، وجاءتنا تهديدات مباشرة وتهديدات للناشطين، أنا تلقيت تهديدات من السلطة ومن المسلحين، وجاءني تهديد مرتين يطلب مني أن أترك حارتي، كي تخلو المنطقة من غير السنة، لكني ما زلت في بيتي و لم أتركه أبداً، ورغم رحيل المسلحين لكن الحي أصبح سنياً بعد أن كان فيه من جميع الطوائف، بقيت أنا وأحد أقربائي فقط، حتى ابني خرج مع عائلته من الحي خوفاً من أرعن، وقد شكل هذا عبئاً اقتصادياً هائلاً، فأجار بيت ابني خمسين ألف ليرة سورية وراتبه خمسة وثلاثين ألف، وكان لدي العديد من الرفاق الذين قضوا معي سنوات السجن، إلا أنهم خرجوا جميعاً، ولم يبق منهم أحد، بقيت وحدي.

لماذا اعتقلت عدّة مرات بعد الحراك؟

‫اعتقلت للمرة الأولى يوم ٢١/٩/٢٠١١، وقبل هذا التاريخ بأربعة أيام  كنا نتحضر لعقد مؤتمر لهيئة التنسيق، حضرت المؤتمر وغادرت لأن الجو لم يناسبني، ولم يكن الحاضرين قادرين على أخذ قرارات صحيحة، وأنا في طريق عودتي للمنزل اتصل بي من تبين أنهم أعضاء الوفد الروسي الذي زار محافظة حمص، كانوا يريدون لقاء أحد المعارضين في بيت المحافظ، وعندما نقلت للوفد ما تطالب به المعارضة أمام وسائل الإعلام، اعتقلت. كان الزائر نائب رئيس مجلس الدوما الروسي وسألني ما هو برأيك الحل؟ قلت له: إن الحل هو حسب الدستور السوري المادة ١٣، الرئيس السوري يدعو لتأسيس جمعية عمومية من ٢٠٠ شخص على الأقل، ويوقف العمل بالدستور للعمل على صياغة دستور جديد مع قوانين انتخابية جديدة وانتخابات رئاسية تحت إشراف أممي، وانتهى اللقاء هنا، وبعد يومين تم الاعتقال لكنه دام يوماً واحداً، حيث أفرج عني بسبب تدخلات روسية، بعدما عرفوا أنني اعتقلت بسبب لقائي معهم.

‫في عام الـ٢٠١٥ اعتقلت بحجة تمويل الإرهاب، لأنني أعطيت مئة ألف ليرة لشخص بالوعر، حولها لليورو ليوصلها لشخص من العائلة يعيش في باريس، المنطقة كانت محاصرة، فقالوا إن الأموال قد تصل للإرهابيين، وتقديري أنها حجة كي يحققوا معي بموضوع النشاط الإعلامي، فليس هناك حكم قانوني يجرم إجراء لقاء مع الإعلام، ولذا اضطروا لإيجاد ذريعة أخرى، وتمويل الإرهاب عقوبتها كبيرة.

‫اعتقلت أيضاً في الشهر العاشر عام الـ٢٠١٧ لستة عشر يوماً من جهتين أمنيتين لإغلاق ملف من ٢٠١٢، وكانت المذكرة صادرة من قبل، لكنها كانت حجة، وما أزال قيد المحاكمة حتى هذه اللحظة.أما الاعتقال الأول فكان من ١٢ شباط/فبراير ١٩٨٨ حتى ١ آذار/مارس ٢٠٠٠.

‫أثناء اعتقالي كنت أتعرض للتحقيق حول عن المكالمات العديدة التي تأتيني من خارج سوريا، وقد كنت أتواصل مع قنوات من اليابان حتى السي إن إنباسمي الشخصي وليس باسم حركي، وموقفي واضح، أنا ضد استخدام أي سلاح سواء من قبل السلطة أو المعارضة، وضد سفك أي دم سوري، وعندما أحمل طرفاً المسؤولية هذا لا يعني أنني موافق على الطرف الآخر.

فإن أدنت المعارضة كُنتُ أسأل “وهل يعجبك الجيش؟” فأجيب “لا، فأنا أدين جميع الجرائم وأتكلم عن الجميع”. وقد قلت من البداية لا أتمنى أن يحرز أحداً نصراً عسكريا على الإطلاق، لا أرغب بالحسم العسكري، فالمصلحة ألا ينتصر أحد وتكون التسوية والدستور، إذ أنّ انتصار أحد يعني أن الكارثة آتية، والنصر العسكري ضمن حرب أهلية هو الكارثة.

 بالنسبة للمعتقلين، كان نشاطي تأمين المحامين وأشياء بسيطة فلم يكن لدي تأثير أكبر من ذلك، الأمن لا يقبل بي أن أمثل الثورة على خلفية طائفية، وكوني لا أقبل أن أعمل ببعض الأشياء، ركزت على السلم الأهلي والعلاقات الأهلية، سواء معنوية أو مادية، ليس لي أية علاقة بالائتلاف ولا بهيئة التنسيق، إلا أنني أتواصل معهم دون أن يكون لي أي دور فيهما.

هل تستطيع التكلم عن دورك بالأعمال الخيرية؟

‫عندما بدأ الخطف على الهوية تدخلت من خلال علاقاتي الاجتماعية والسياسية، نجحت في بعض المرات بتنسيق عمليات لتبادل المختطفين وفشلت في مناسبات أخرى، وكنت أنجح بالتبادل بدون أي مقابل مادي، فما عملت عليه لم يدفع مقابله أي شيء من الأهالي، أنا دفعت، لكن ليس عندي قدرة كبيرة.

كنت أشحن رصيد الموبايل أو أملأ خزان مازوت أو أقدم خدمات طاقة شمسية، وكل ما دفعته لم يتجاوز الأربعة آلاف دولار، ولم يعرف أهل المخطوفين بهذا، كنت أداوم عند الخاطفين لأيام. في إحدى المرات في العام ٢٠١١ مشيت ٢٠٠ متر وأنا مغطى العينين لأوصل دواء لشخص مخطوف، تواصلت مع المخطوفين وتمكنت من خلالهم إيصال الدواء للشخص المريض، كنت أحاول التواصل دوماً وفي جميع أوقات الصبح والليل حتى أحصل على مطالب الخاطفين. كانت أصعب اللحظات عندما يقولون أنهم قتلوا المخطوف، وكان علي إخبار الأهل، هذه لحظة قاسية ومؤلمة، والأفرع الأمنية لا تتخذ أي إجراء، وهناك أشياء لا تحكى كي لا تستغل لتأجيج المشاكل.

‫الحدث الطائفي في حمص دفع أشخاصاً للتحول إلى مؤيدين كي لا يذبحوا، هناك أمور تحتاج لوعي غير متاح للأمور السياسية. النظام بالتأكيد لن يسمح بتواجد بديل ككل أنظمة الطغيان، لكن كان على المعارضة أن تبتكر شكلاً للقاء، والوعي والقيادات تبقى فاشلة حتى الآن، لا لسوئهم بالضرورة لكن لعجزهم.

أنا أدخلت أول شحنة مساعدات على مدينة تلبيسة يوم ٤/٦/٢٠١١ أثناء أول حصار، نقلت حمولة سيارتين أرجعوني على الحواجز ولم يدخلوها، فوزعت الشحنة على المفرج عنهم في العفو الصادر آنذاك، كانت مجموعة كبيرة من الأساسيات كلفتني فقط ثلاثين دولار. قدمت أكثر من مئة مقعد للمعقدين بالإضافة لفرشات طبية للمقعدين وعكازات وأدوية حليب حتى هذه اللحظة، لست أنا من يشتري الأدوية لكني أوصلها من خلال أصدقاء وصديقات، وهناك من تبرع بثمن الكراسي، أنا اشتريت اثنين فقط، لكني أوزعهم على مدنيين تأثروا من القصف العشوائي بغض النظر عن المصدر. أحاول تأسيس جمعية لتركيب الأطراف الصناعية الذكية، يجب أن تكون مرخصة والعمل شفافاً، لكنها تتعرقل حتى الآن بسبب اعتقالي أولاً ثم للمشاكل المالية الكبيرة التي أعاني منها، فدخلي لا يكفيني، العمل لا يكفيني أكثر من عشرة إلى خمسة عشر يوم، ولا تستطيع أن تؤسس لشيء دون موارد، ولا أستطيع استلام مساعدات دون أن يكون لي ترخيص، هناك العديد ممن عرض علي المال لأوصل المساعدات لكنني أرفض إن لم أعرف الشخص، إلا إن كانت تبرعات عينية.

المصدر :

https://salonsyria.com/%D8%AD%D9%88%D8%A7%D8%B1-%D9%85%D8%B9-%D9%85%D8%AD%D9%85%D8%AF-%D8%A3%D8%A8%D9%88-%D8%B9%D9%84%D9%8A-%D8%B5%D8%A7%D984%D8%AD-%D9%A2-%D8%A3%D8%AD%D8%AF%D8%A7%D8%AB-%D9%85%D8%AD%D9%88%D8%B1%D9%8A/#.XSNQOLIVuhA

شاهد أيضاً

الصلاحية الدستورية الكاملة ، تُوجب المسؤولية الدستورية الكاملة .

بموجب الدستور السوري الحالي، لا يوجد أي تحديد لمهام منصب رئيس الوزراء ،  وبالحري الوزراء ، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *