°
, February 22, 2024 in
آخر الأخبار
ثقافة

المجتمع المدني .. الأمة .. والدولة الوطنية 1 من 2 بقلم : . . جاد الكريم الجباعي

المجتمع المدني، الأمة، الدولة الوطنية

نحو عقد اجتماعي جديد

 

المفاهيم أسماء العالم ومفاتيح معرفته، يحمل كل منها، فضلاً عن دلالته اللغوية والاصطلاحية، تاريخه

الخاص، مشفوعاً بشحنة أيديولوجية مصدرها الأنساق والخطابات التي اندرج فيها، واكتسب من كل نسق أو خطاب دلالة خاصة غلبت عليه في حين من الأحيان أو في كثير منها، فلا يكاد يعرف إلا بها. لذلك تقتضي الموضوعية تحرير المفهوم من شباك الأيديولوجية، وإعادته إلى ميدان التاريخ. ففي هذا الميدان فقط يفصح عن طابعه الواقعي وقيمته المعيارية، وعن دلالاته المعرفية والنفسية والأخلاقية. ويبدو أن الذين يزيِّنون المفاهيم ويقدسونها أو يقبِّحونها ويدنسونها إنما ينطلقون من رؤية ذاتية وسكونية، لا من رؤية واقعية وتاريخية. ولعل تحرير اللغة من بعديها: المقدس والسحري، ومما علق بها من أوشاب الأيديولوجية جراء محاولات السيطرة عليها شرط لازم لتحرير الفكر. فلجميع مفردات اللغة قيم معرفية ودلالية متساوية. وليس بوسعنا أن نحكم على هذا المفهوم أو ذاك إلا في نطاق النسق أو الخطاب الذي يندرج فيه، أي في نطاق شبكة العلاقات التي ينتظم فيها فيؤدي وظيفة خاصة لدى متكلم معيَّن، في شروط وملابسات معينة. هكذا هي الأمور دوماً. وهذه الشبكة، بما تنطوي عليه من علاقات ضرورية ومن مواضعات العقل العملي وتسوياته وتواطؤاته ومحايلاته أحياناً، إن لم يكن في معظم الأحيان، هي التي تحدد دلالاته ودواعي استعماله، وتعيِّن وظائفه الإجرائية والمعرفية والنفسية والسياسية والأخلاقية. ولما كان كل خطاب بنيةً عقليةً / روحية، أو ذهنية / نفسية، وعلائقية، بات من الضروري تمييز العلاقات الضرورية التي تحدد دلالة المفهوم في كل نسق على حدة، كيما يمكن استعماله في نسق جديد ورؤية جديدة، وإلا كنا في النسخ والمحاكاة والتقليد الأعمى.

 

وأكثر المفاهيم غموضاً والتباساً ما يظن الناس أنه من قبيل البديهيات، كالأمة والقومية والشعب والوطن، وما ينتمي إلى حقلها، ولا سيما حين تندرج في نسق أيديولوجي دوغمائي واستاتيكي يجعل منها شيئاً أقرب إلى “رأس ميدوزا”، تحول كل ما يقع في دائرتها إلى “ثوابت قومية” أو “ثوابت وطنية” أو “ثوابت دينية” متحجرة، ليس لها أي وظيفة سوى تقنيع النزعات الحصرية[1]، وتسويغ الاستبداد وإمداده بمشروعية وهمية. فضلاً عما يشوبها من التباسات معرفية وسياسية تنم على ارتباك الخطاب السياسي العربي وضبابيته، أهمها التباس الوطنية بالقومية، ونشوء ازدواجية الوطني والقومي؛ والتباس مفهوم القومية بالأحزاب القومية، أو ما سمي بالحركة القومية، أي بالأحزاب التي تبنت أيديولوجية قومية أو قوموية، وتوهمت وأوهمت بأنها “الممثل الشرعي الوحيد” للأمة؛ فما أن تذكر القومية اليوم حتى تستحضر حركة القوميين العرب وحزب البعث العربي الاشتراكي والأحزاب الناصرية وجبهة التحرير الوطني الجزائرية وغيرها، و”نظرياتها” وأفكار منظريها،. ويصعب على العربي اليوم أن يتخيل القومية أو يفكر فيها على أنها فضاء ثقافي مشترك تتقاطع فيه وتتجابه جميع التيارات الفكرية والأيديولوجية والسياسية، وأنها لذلك صفة للدولة، في نظر غير مواطنيها. فمن من العرب يستطيع أن يفكر في أن جميع التيارات والأحزاب “القومية” والإسلامية والاشتراكية والليبرالية والديمقراطية وغيرها هي أحزاب وتيارات قومية تعبر عن قوى الأمة المختلفة والمتعارضة، بل من ذا الذي يستطيع أن يقبل أن يكون في الأمة اختلاف وتعارض؟! ومن ثم فإن لمفهوم الأمة ولمفهوم القومية، في الخطاب السياسي العربي، طابعاً جزئياً و حصرياً و إقصائياً إن لم نقل استئصالياً؛ فالقوموي يحصر الأمة والقومية في العرب العاربة والمستعربة، ويقصرها عليهم؛ والإسلاموي يحصرها في المسلمين، السنة أو الشيعة، بحسب المتكلم، ويقصرها عليهم؛ والاشتراكي الذي يرى في الأمة، حين يراها، أمتين، أمة المستغلين (بكسر الغين) وأمة المستغلين (بفتحها) فيحصرها في البروليتارية والكادحين، ولا يرى في القومية سوى صفة رجعية وشوفينية، فيشطبها من قاموسه، أي من وعيه وفكره. ألا يحق لنا، وهذه الحال، حال القصر والحصر، أن نتحدث عن تشظي الحقل الثقافي والحقل السياسي للأمة؟! لا بفعل التجزئة الكولونيالية هذه المرة، بل بفعل شقاء الوعي. ولا يقللن أحد من أثر الوعي في هذه الحال، فإن وعي الذات هو الصيغة الذاتية لوعي الواقع ومعرفة العالم، وهو الذي يحكم العمل ويوجه السلوك، بصورة واعية أو غير واعية. وليس ما هو أكثر دلالة على ذلك من التنازع على التراث الذي لم يكن سوى التعبير المثالي عن التنازع الضاري على السلطة والثروة.

يحدد العربي ذاته اليوم بدلالة الأصل أولاً، وبدلالة الماضي، لا بدلالة التاريخ، ثانياً وبدلالة التراث ثالثاً، وبدلالة الغرب رابعاً، وتتضافر هذه العناصر في إنتاج “هوية قومية” وهمية ومأزومة.

ويمكن القول إن لمفهوم القومية ومفهوم الأمة، في الخطاب السياسي العربي، بعداً إثنياً أو عرقياً يتخفَّى في اللغة والتاريخ وغيرهما مما يسمى “مقومات القومية العربية”، ويخرج الجماعات الإثنية واللغوية والثقافية من دائرة الأمة، أي من دائرة المجتمع المدني والدولة القومية؛ وبعداً دينياً مذهبياً يخرج غير المسلمين ومعهم أتباع المذاهب الإسلامية (الأقليات المذهبية) من دائرة الأمة ومن دائرة الدولة؛ وهذه أمارة أخرى من أمارات تشظي الحقل الثقافي والسياسي، لا بفعل التجزئة الكولونيالية أيضاً، بل بفعل التكسر المجتمعي ونقص الاندماج القومي. أزعم أن عرب اليوم يفتقرون إلى أي قدر من التوافق على أمور كثيرة، منها معنى الأمة والقومية والدولة السياسية. هل بوسعنا الافتراض أن التجزئة السياسية الكولونيالية لم تكن ممكنة، أو لم يكن لها أن تدوم على هذا النحو لولا تشظي الحقل الثقافي والحقل السياسي للأمة العربية، ولولا نقص الاندماج القومي أو الاجتماعي، وأن عوامل التجزئة الداخلية كانت ولا تزال أقوى من العوامل الخارجية؟

حقاً إن أوضاع “الدول”العربية القائمة تنتج مفاهيم مثيرة للجدل في مجال دراسة المجتمع المدني والأمة والدولة القومية والوطن والوطنية، لا مع الفكر القومي التقليدي والرومانسي فحسب، بل مع الفكر التيولوجي الدوغمائي أساساً. فقد كانت محاولات تعرُّف الواقع العربي وتلمُّس ممكناته واتجاهات تطوره محكومة بثوابت أيديولوجية، قومية وإسلامية واشتراكية دوغمائية، سوى استثناءات نادرة لا تزال على هامش الفكر السياسي العربي. ولا يزال الخطاب السياسي مقيداً بهذه الثوابت، ويعيد إنتاجها، ويشيح عن أي محاولة لنقدها، إن لم يرمها بالكفر والمروق والخيانة. وتجدر الإشارة هنا إلى أن الحقل الدلالي الذي تنتمي إليه مفاهيم المجتمع المدني والأمة والدولة القومية وحكم القانون وسيادة الشعبي تعارض على طول الخط مع الحقل التيولوجي والدوغمائي المغلق، سواء كان هذا الأخير قومياً أو اشتراكياً أو إسلامياً أو علموياً.

تنطلق هذه المقاربة من افتراض علاقة ضرورية، منطقية وتاريخية، أي واقعية، بين الأمة والمجتمع المدني والدولة الوطنية، ومن النظر إلى القومية على أنها فضاء ثقافي مشترك بين جميع قوى الأمة وتمثيلاتها، وصفة للدولة المعنية منظوراً إليها من الخارج، أي من غير مواطنيها؛ ومن ثم فإن مفهوم المجتمع تعبير سوسيولوجي، ومفهوم الأمة تعبير ثقافي، ومفهوم الشعب تعبير سياسي عن حقيقة واحدة هي الدولة الوطنية؛ وهذه الأخيرة أي الدولة الوطنية لا تبدو لمواطنيها إلا في صيغة النظام العام والمصلحة العامة والإرادة العامة، أي في صيغة دولة حق وقانون لجميع مواطنيها بلا استثناء ولا تمييز.

من زاوية علم الاجتماع الخالص، يمكن الحديث عن مجتمعات في دولة واحدة، كالمجتمعات البدوية والمجتمعات الريفية ومجتمعات المدن .. إلخ، ولكن لا يمكن الحديث عن شعوب في دولة واحدة. فما أن نتحدث عن شعب وشعوب حتى نغادر علم الاجتماع الخالص إلى علم الاجتماع السياسي، وإلى علم السياسة، ونغادر من ثم مستوى الوجود الاجتماعي المباشر إلى أحد أشكاله أو تشكلاته الثقافية والسياسية، أي إلى الوجود الاجتماعي الموسَّط. كما أن الحديث عن شعب واحد في دولتين، أو في عدة دول، يضمر عدم الاعتراف بإحدى هاتين الدولتين، أو بهما، وبتلك الدول. وتلكم هي إشكالية “القومي والقطري” في الفكر السياسي العربي المعاصر، الإشكالية التي لم تجد لها حلاً حتى يومنا، وقد نجم عنها موقف وجداني أو شعوري قوامه رفض الدولة القائمة بالفعل، وعدم الثقة بها، ومن ثم عدم احترامها، والنظر إليها على أنها انحراف تاريخي وعرض زائل عما قريب، ومعارضتها بدولة ليست موجودة سوى في الذهن. القوموي يرفض الدولة القائمة ويعارضها بالدولة “القومية”، دولة الأمة العربية الواحدة؛ ولا يبعد أن ينشئ لها صورة قبلية مسبقة الصنع، مستوحاة، على الأرجح، من التاريخ الباكر للإمبراطورية العربية (هل يقبل أحد من العرب أن نسميها الإمبريالية العربية؟) التي نازعت الإمبراطوريتين الفارسية والرومانية ودحرتهما.والإسلاموي يرفض الدولة القائمة ويعارضها بدولة إسلامية، بحاكمية الله أو ولاية الفقيه،وينشئ لها صورة مستوحاة هي الأخرى من التاريخ “الإسلامي” الباكر؛ وهي الصورة نفسها التي أنشأها القوموي، مع اختلاف في الصفة التي تأكل الموصوف.والاشتراكي يرفض الدولة القائمة ويعارضها بدولة اشتراكية، أو بدكتاتورية البروليتاريا، وينشئ لها صورة وهمية مستوحاة من “الثورة البولشفية”. الغائب الأكبر في الفكر السياسي العربي هو الواقع العياني، وقد جرده الوعي الذاتي من أي مشروعية، مع أنه مصدر جميع المشروعيات، ولا يستمد قيمته ومشروعيته من أي عنصر من خارجه. لذلك لم يعن الفكر السياسي العربي المعاصر بمسألة الدولة الوطنية ومسائلها عناية جدية، ومن البديهي وهذه الحال ألا يعنى بمسألة المجتمع ومسائله، ولا سيما بمسألة المجتمع المدني وما ينتمي إليها ويتعلق بها من مسائل كالإنسية والعلمانية والعقلانية والديمقراطية وحكم القانون والإرادة العامة والمصلحة العامة وسيادة الشعب.

واللافت للنظر أن الفكر السياسي العربي، كالوعي العفوي السلفي أو الماضوي، لا يأسف على هذه الدولة القائمة بالفعل إذا ما فسدت وانحطت أو تعرضت لهزيمة، أو إذا ما انهارت، كما حدث في العراق، بل تتعزز حجته عليها، ويسارع إلى وصفها بأنها دولة “ضد الأمة”[2]. ومن الظواهر المهمة التي تستحق مزيداً من الدراسة والبحث، في العالم العربي،أن الحرية لا توجد ولا تنمو إلا خارج الدولة وبالتضاد معها[3]، وبالتضاد مع المجتمع المدني بالضرورة.ولعل علاقة التخارج والتضاد بين الدولة والحرية نجمت عن التخارج والتضاد بين “الدولة” الاستبدادية والمجتمع المستبد به. وحين يعارض الفكر السياسي الدولة المستبدة، وقلما يعارضها، لا يميز الصفة من الموصوف، فيرفض الدولة والاستبداد معاً، كمن يرمي الطفل وغسيله الوسخ. ويبدو لي أن الوعي السياسي لم يرق عندنا بعد إلى مستوى يشعر معه كل فرد أنه عضو في الدولة، وذلك لأن المتحدات الاجتماعية التقليدية التي لا تزال توفر للأفراد نوعاً من الأمن والحماية، فيخضعون لعاداتها وتقاليدها وأعرافها لا تزال كل منها بنية موازية للدولة، ولا يزال انتماء الفرد موزعاً بين هذه وتلك. ويتجلى ذلك بوضوح في موقف الأفراد من الممتلكات والمرافق العامة، وفي عدم احترام القانون وعدم إدراك عموميته وسموه، إما لتعارضه مع الأعراف والعادات والتقاليد، وإما لتعارضه مع “الشرع”. فلا تزال الأعراف والعادات والتقاليد أقوى من القانون، والمصالح الخاصة أقوى من المصلحة العامة، وليس لمفاهيم المجتمع والدولة والقانون والمصلحة العامة وما في حكمها أي قيمة رمزية في وجدان الفرد الذي لم يتخط بعد العلاقات والروابط الطبيعية. ولعل الأسباب العميقة لذلك تكمن في تخلف أساليب الإنتاج وضعف القوى المنتجة.

وقد شاعت في أواسط القرن الماضي مقولة افتخارية مفادها أن “القومية العربية لم تولد في السوق الرأسمالية”، بل في خضم مقاومة الاستبداد العثماني والاستعمار الغربي، واقترنت هذه المقولة بوصف الأمة العربية بأنها “أمة تقدمية” في معارضة الأمم الرأسمالية والإمبريالية التي وصفت بالرجعية. ولا يخفى أن هذا الإيحاء الافتخاري نجم عن موقف أيديولوجي معارض أو معاد للرأسمالية التي التبست بالاستعمار والإمبريالية، وغاب عن أصحاب هذا الموقف أن العمل والإنتاج الاجتماعي هو المبدأ الذي يُفسر نشوء الأمم الحديثة، وأن هوية مجتمع ما هي ما ينتجه هذا المجتمع على الصعيدين المادي والروحي.

الوعي القومي، وعي الذات، الذي تشكل تحت ضغط الاضطهاد السياسي والتمييز العرقي والانتهاك الاستعماري، واتسم برد الفعل الشعوري عليها، استمرأ هذه المقولة، وجعل منها إحدى النوى الصلبة للأيديولوجية القومية التي أراحته من عناء فحص مقولاته ومفاهيمه وأدواته المعرفية. ولعله من الجدير بنا أن نفترض اليوم افتراضاً مختلفاً إن لم أقل مخالفاً قوامه أن “القومية العربية” ولدت في سياق التوسع الرأسمالي العالمي، بوجه عام، وفي سياق “المسألة الشرقية” بوجه خاص، وهو ما حدد مضمونها الفعلي.

لم يتنبه الفكر السياسي العربي إلى الدلالة الأعمق لهذه المقولة، وإلى الدلالة الأعمق لنمط الإنتاج الرأسمالي، أعني نمو العمل الاجتماعي وتطوره، وصيرورته عملاً صناعياً ينمو فيه العنصر الذهني باطراد، حتى غدت العلوم والمعارف والمعلومات قوة إنتاج أساسية؛ وأن هذين النمو والتطور ألقيا بظلالهما على شكل الملكية الخاصة وموضوعها وعلى تقسيم العمل وتوزيع عوامل الإنتاج بين الفئات والطبقات الاجتماعية، ومن ثم على العلاقات الاجتماعية وعلاقات الإنتاج وعلى أشكال التنظيم الاجتماعي والسياسي ومضامينها. ذلك لأنه لم يهتم يوماً بقضية العمل والإنتاج الاجتماعي، إنتاج الثروة المادية والروحية بالتلازم الضروري، فالهوية القومية أو الوطنية ليست عنده سوى هوية مجردة صماء ثابتة ومتعالية على التاريخ وعلى سنن النمو والتطور، لا تمت بصلة إلى واقع المجتمعات الفعلي، بل تحيل على واقع آخر، أو على أصل ما يثوي بعيداً في أعماق التاريخ، فهو لا يميز الهوية من الأصل، بل هما عنده شيء واحد؛ ولذلك تقترن الهوية بالأصل والأصالة والتأصيل والأصولية، ناهيكم عن الخصوصية الفارغة أو العدمية. فلا يعني له شيئاً أن الجزء الأعظم من إنتاج العرب المادي يعتمد إما على السماء وإما على باطن الأرض (النفط خاصة)، وأن هذا الإنتاج إما إنتاج تقليدي كفافي قوامه الكدح، ولا تتعدى وظيفته حفظ الحياة البيولوجية لكتل بشرية ضخمة تعيش “تحت خط الفقر”، وإما إنتاج ريعي لا أثر يذكر فيه للعمل البشري، عمل الرأس واليدين. وإذ تعبر الثقافة التقليدية عن أسلوب الإنتاج الكفافي الزراعي والحرفي على السواء، تعبر الثقافة الاستهلاكية عن أسلوب الإنتاج الريعي، وتعبر الثقافة الجماهيرية القطيعية، ثقافة الكسل العقلي والتكرار الببغاوي وعبادة الفرد عن أسلوب الإنتاج “الاشتراكي” في “دول التسلط والاستبداد، كسورية والعراق السابق وليبيا والجزائر واليمن السعيد. أليست هذه أهم عناصر الهوية القومية اليوم؟!

الهوية الفعلية لمجتمع من المجتمعات، أي لأمة من الأمم، هي ما ينتجه هذا المجتمع أو هذه الأمة، على الصعيدين المادي والروحي، وما يقيمه بنفسه ولنفسه من علاقات وتنظيمات اجتماعية وسياسية، أهمها الدولة؛ وفي ضوء هذا التحديد تغدو الهوية القومية أو الوطنية هوية حية وغنية وقابلة للنمو والتطور. ويبدو لي أن مشكلة الوعي الاجتماعي بوجه عام والوعي السياسي بوجه خاص تكمن في هذه المسألة، مسألة وعي الذات وتعريفها والتعبير عنها، وفي طرائق التعبير وأساليبه. تعريف الذات بدلالة الأصل، أو بدلالة وجود جوهري في تاريخ تصوري أو في عصر ذهبي، هو سمة وعي ماضوي، لا تاريخي، يخبط في الممارسة العملية خبط عشواء، فضلاً عن طابعه الحصري والإقصائي والاستبدادي بالضرورة. الهوية غير الأصل، الأصل مفهوم استاتيكي، ثابت، والهوية مفهوم تاريخي، ناتج وصائر، وقابل للنمو والانبساط، في العالم وفي التاريخ.

الأمة مفهوم مجرد، مثالي، يحيل على كينونة اجتماعية في التاريخ وفي العالم، أي على وجود اجتماعي متعين في الزمان والمكان، ليس لهذه الكينونة الاجتماعية أو الوجود الاجتماعي المتعين من اسم آخر سوى المجتمع المدني الذي ينتج الدولة الوطنية أو القومية، ولا فرق[4]. التعين في المكان يفترض شبكة من العلاقات مع سائر الأمم والدول الأخرى، ولا سيما أمم الجوار الجغرافي ودوله، ويفترض أن الأمة المعنية جزء من العالم المعاصر، والجزء يتحدد بالكل ولا يحدده. والتعين في الزمان يفترض أن تاريخ الأمة العربية جزء من التاريخ العالمي، ولا معنى لأي خصوصية إلا في نطاق العلاقة الجدلية التي تربطها بالعمومية أو بالكلية العينية للجماعة البشرية. ومن ثم فإن للأمة بعداً في المكان الذي هو شكّل وجودها، وبعداً في الزمان الذي هو شكّل حركتها، وبعداً معرفياً أو منطقياً، أو بعداً في الفكر والوعي، تتحدد في ضوئه وعلى أساسه علاقة الإنسان بعالمه وعصره، وتتحدد في ضوئه وعلى أساسه علاقة الوعي الاجتماعي بالوجود الاجتماعي، وعلاقة الفكر بالواقع. وما أن تتخطى الكينونة الاجتماعية حالتها الطبيعية أو شبه الطبيعية، أي ما يطلق عليه اسم “المجتمع الأهلي”، حتى تغدو مجتمعاً مدنياً قوامه جدل الاختلاف الذي يوجب العقد الاجتماعي والتماثل الذي يجعل العقد الاجتماعي ممكناً، وأعني بالتماثل، التماثل في الإنسانية والمواطنة، وهما صفتان لا تقبلان التفاوت والتفاضل. وأساس هذه الجدل هو جدل الفرد الطبيعي المسوق بسائق حاجاته ورغباته وأهوائه ونزواته والمواطن الذي يتعلق بقيم الحق والخير والجمال ويتطلع إلى الحرية والمساواة والعدالة، بغض النظر عن جميع محمولاته.

1من 2 . . .

[1]- من أبشع النزعات الحصرية ما مارسه البعثيون في سورية والعراق خاصة، لا حيال المواطنين غير العرب، كالأكراد مثلاًن فقط، بل حيال المواطنين الذين لا ينتمون إلى الحزب القائد والذين لا يؤيدونه ناهيكم بالذين يعارضونه، فالبعثيون وأقرباؤهم وأنسباؤهم هم المواطنون أعضاء دولة البعث، ومن عداهم ليسوا مواطنين في الدولة وليس لهم أي من حقوق المواطنة.

[2]- هذه المقولة مركزية في كتابات برهان غليون، استاذ علم الاجتماع السياسي، ولا سيما في “مجتمع النخبة” و “اغتيال العقل”، ولدى كثيرين غيره.

[3]- راجع، عبدالله العروي، مفهوم الحرية

[4]- لم يكن هناك أي فائدة من اشتقاق معنى الأمة من بطون المعجمات العربية وكتب التراث، على نحو ما فعل الأرسوزي وغيره، أو من النظريات القومية التي شاعت في أوربة في القرن التاسع عشر، على نحو ما فعل الحصري، ولا يزال هذا التقليد سارياً لدى معظم الذين يتناولون هذا الموضوع.

جاد الكريم جباعي . مفكر وباحث سوري

عن موقع : http://www.assuaal.net/