°
, May 19, 2024 in
آخر الأخبار
دراسات اجتماعية

الرجل الحقيقي رجل غير عنيف ضد النساء

عبد الصمد الديالمي

عند الحديث عن العنف الرجالي ضد النساء، تتبادر إلى الذهن صور نمطية عن الرجل العنيف وعن المرأة المعنفة. صور ترى في الرجل العنيف رجلاً سكيراً، غير متوازن نفسياً، مهمشاً (اجتماعياً) أو فقيراً… وترى في المرأة المعنفة امرأة مازوخية، عديمة الإرادة، غير متعلمة… آن الأوان لتعرية هذه الصور النمطية المسبقة التي تختزل العنف الرجالي ضد النساء في العنف الفيزيقي (الضرب) والتي تجعل من العنف الرجالي مجرد حالات استثنائية شاذة تقع من حين لآخر.

1) أنواع العنف الرجالي:

بادئ ذي بدء، لا بدّ من التمييز بين خمسة أنواع من العنف هي: العنف الفيزيقي، العنف الجنسي، العنف النفسي، العنف الاقتصادي، العنف الثقافي.

يحيل العنف الفيزيقي على الضرب والجرح والكسر والمنع من الخروج… إنه الوجه الأكثر انتشاراً من العنف الرجالي والذي يترك آثاراً واضحة على جسم المرأة. وبإمكانه إحداث عاهات مستدامة للمرأة المعنفة.

ويكمن العنف النفسي في المسّ بكرامة المرأة من خلال شتمها وإهانتها ومعاملتها معاملة سيئة. إنه عنف لفظيّ وسلوكيّ يؤدّي بالمرأة إلى فقدان الثقة بالنفس وإلى اضطرابات نفسية وإلى اهتزاز شخصيتها.

أما العنف الجنسي، فيعني التحرّش بالمرأة كما يعني مواقعتها دون رضاها، إما انطلاقا من غياب رغبة لديها أو باستعمال القوة (الاغتصاب). ويكمن أيضاً في إرغام المرأة على العمل الجنسي، أي في المتاجرة بجسدها وفي الكسب من خلال استغلاله. من نتائج العنف الجنسي الحمل غير المرغوب فيه والإصابة بأمراض قابلة للانتقال جنسياً، بالإضافة إلى آثار نفسية وخيمة في حالات الاغتصاب والافتضاض يمكن أن تؤدي بالمرأة إلى الانتحار.

ويتجسد العنف الاقتصادي في الحرمان من النفقة (أكل، لباس، سكن، تطبيب…)، في الاستيلاء على مال المرأة، في التمييز في التوظيف أو في الترقية من طرف المشغل على أساس الجنس. إنه عنف يقوم على عدم الاعتراف بنشاط المرأة داخل البيت أو بالتنقيص من مهاراتها المهنية بسبب جنسها، وهو ما يقود إلى حدوث تفاوت في الاغتناء بين الجنسين، بل يؤدي إلى إفقار النساء وإلى تشريدهن في الكثير من الحالات.

أما العنف الثقافي فله بدوره أوجه متعددة تكمن في نقص الاحتفالية الخاصة بازدياد الفتاة وبتفضيل الولد الذكر، وفي عدم تعليم الفتاة أو إيقاف تعليمها في المراحل الابتدائية، ثم في تزويجها المبكر أو القسري، وفي طردها أو قتلها عند فقدان البكارة قبل الزواج تحت ذريعة إنقاذ الشرف.

إن التمييز بين هذه الأنواع الخمسة من العنف الرجالي فعل ضروري للدفع إلى عدم الوقوف عند العنف الفيزيقي وإلى عدم اختصار العنف ضد النساء فيه. صحيح أن العنف الفيزيقي لا يحدث دوما وهو ما يؤدي إلى الاعتقاد أنه حالات شاذة نادرة خاصة برجال لهم مشاكل خاصة. إن خطر اختزال العنف الرجالي في العنف الفيزيقي يكمن في عدم الوعي أن العنف الرجالي ضد النساء عنف بنيوي، وأنه متعدد الأشكال وأنه مستمر وأنه غير مرئي في الكثير من الحالات. لذا كان لا بدّ من التنصيص منذ البدء على سرد كل أشكال العنف الرجالي. فالرهان هو الاعتراف بوجود أشكال غير فيزيقية من العنف مستقلة عن العنف الفيزيقي. ويكمن الرهان في الوعي بها وفي إيجاد سبل للوقاية منها ولمحاربتها.

2) الأسباب الحاجبة:

يلجأ البعض إلى ذكر أسباب نفسية وفردية في تفسير العنف الرجالي. في نظر هؤلاء، يشكل هذا العنف حالات استثنائية ترجع إلى تناول المخدرات والكحول أو إلى اضطرابات سيكولوجية خاصة تجعل من الرجل العنيف رجلاً شاذاً أو مريضاً نفسياً أو أحمقاً. إنها عوامل تشوه إدراك الرجل المعنف للواقع وتحمّل المرأة جزءاً من العنف الذي تكون ضحيته.

يعتبر تناول الكحول من صفات الرجولة والفحولة، ويساعد الرجل في بعض الحالات على استعمال العنف للتعبير عن الرجولة، وعن الحرمان، ولتجاوز إعاقاته الباطنية. ففي الكثير من الحالات، يلجأ الرجل المعنف إلى تفسير عنفه بتناول الكحول ليثبت أنه كان في حالة غير طبيعية، وهو ما يعني التنصل من المسؤولية. لكنّ الدراسات تبين أن الرجال العنيفين ليسوا في غالبيتهم من السكارى. إن اللجوء إلى تناول الكحول كعامل تفسيري يفضي إلى نتيجة مفادها أن اجتناب الكحول يؤدي حتماً وآلياً إلى اجتناب العنف، وهي نتيجة خاطئة لأن السبب العميق في حدوث العنف ليس هو تناول الكحول. فالرجال الذين خضعوا لعلاج ضد الكحول يستمرون في تعنيف المرأة. من جهة أخرى، يتواجد العنف الرجالي، الفيزيقي منه، في مجتمعات لا تعرف انتشارا كبيرا لتناول الكحول.

بالنسبة لتفسير العنف الرجالي بالاضطراب النفسي أو العقلي، فذلك يأتي من لجوء السلطة القضائية إلى علماء النفس وإلى الأطباء العقليين قصد الخبرة والشهادة في قضايا العنف ضد النساء. وهو لجوء يقود الرأي العام الشعبي إلى الربط الآلي بين العنف الرجالي وبين الاضطراب السيكولوجي رغم أن الدراسات تبين أن معظم الرجال العنيفين ليسوا مرضى نفسيين أو عقليين. إن الربط بين العنف الرجالي والاضطراب النفسي خطير لأنه يقنع الرجل العنيف غير المريض بأنه سوي وأن تعنيفه للمرأة أمر طبيعي ومشروع.

وبشكل أعم، يذهب الأخصائيون إلى أن العنف الرجالي مظهر من مظاهر الحياة اليومية العادية. فطور الحياة اليومية يمر من مراحل عنيفة ومراحل غير عنيفة تتعاقب فيما بينها. وهكذا يتم التمييز بين الأطوار التالية: 1) طور اليومي مع قلقه وتوتراته وإرادة الضبط، 2) طور العنف، 3) طور الشعور بالندم والاعتذار والهدايا وشهر عسل جديد، 4) عودة اليومي… وهكذا دواليك إلى ما لا نهاية.

3) عنف الأبيسية، السبب البنيوي:

ما وراء الأسباب الظاهرة المسهلة، لا بدّ من التذكير أن الأبيسية باعتبارها تنظيماً للهيمنة الرجالية تُؤسس العلاقة بين الجنسين على منطق العنف منذ البدء. فهي تقوم على تقسيم جنسي للعمل يكمن في تهميش المرأة من فضاء الإنتاج وفي اختصار قدحي لأدوارها في الحمل وتربية الأطفال والقيام بالأشغال المنزلية. إن مكانتها ودورها الاجتماعيين يمددان أنوثتها الطبيعية. من نتائج هذا التقسيم غير المتكافئ للعمل، تأسست معتقدات وقوانين تهدف إلى إقناع المرأة بضرورة الخضوع والطاعة والتبعية للرجل/السيد، وهو ما يعني أن الأبيسية كإيديولوجيا تجعل من العنف، الرمزي أولاً، عمودها الفقري ودعامتها الأساسية. فالعلاقة بين الجنسين كما تقعدها الأبيسية علاقة عنيفة في ذاتها وبذاتها، بمعنى أن العنف الرجالي ضد النساء لا يشكل داخل النسق الأبيسي حادثة سير أو ظاهرة شاذة أو سوء اشتغال (للنسق)، وإنما هو معطى بنيوي مبنين لجوهر الأبيسية. فمن يمتلك المنطق الأببيسي ومن يملكه ذلك المنطق يرى أن من حق الرجل أن يعنف نساءه من أجل إخضاعهن وتطويعهن. والكثير من النساء مملوكات بدورهن من طرف ذلك المنطق نظراً للتنشئة التي خضعن لها، وهي بالضبط تنشئة عمودية تمييزية على أساس الجنس. إن تطبيع العنف من طرف النساء واقتناعهن بمشروعيته شرط أساسي في استمرار وإعادة إنتاج الأبيسية. وحين يقال أن المرأة تبحث عن الضرب من خلال مناقشة أوامر الرجل أو مقاومة رغباته، فإنها تتهم بعدم استيعاب منطق العلاقات بين الرجل/السيد والمرأة/العبد أو برفضها للخضوع إليه. وبالتالي يتحول العنف الرجالي إلى قتل كل تعبير عن إرادة الاستقلال عند المرأة.

من الطبيعي أن يترسخ الاقتناع بالعنف الأبيسي بدرجة أكبر في نفسية الكائن الأبيسي عندما يتعزز بالنص الديني الشرعي. فكيف يمكن لذلك الكائن، في حالة الإسلام، أن يرفض الآية التالية: “وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (النساء، 34)؟ كيف يمكن للمؤمن البسيط ألا يرى في هذه الآية ما يبرر دينياً ضرب الزوج لزوجته؟ أمام نشوز الزوجة، من حق الزوج أن يلجأ إلى الضرب للتعبير عن حرمانه وعن غضبه، وأن يتحول العنف إلى وسيلة مؤسساتية لحل صراع بين الزوجين، أي وسيلة مشروعة في يد الرجل لترويض كل أنثى وتعليمها الطاعة والرضوخ. بفضل العنف، يذكر الرجل أن السلطة له، وبفضله يحافظ عليها، ولو أن معظم الفقهاء نصوا على أن العنف لا ينبغي أن يكون مبرحاً. في هذا الإطار، تعتبر المرأة مصدر الفتنة في حياة الرجل وفي سير المجتمع، فهي عورة مثيرة وزوجة ناشز وبنت خطرة على الشرف، فتستوجب بالتالي آليات عنيفة تمكن الرجل من مراقبتها وترويضها. أمام الجسد الأنثوي الفاتن بذاته وفي ذاته في المنظور الأبيسي، ونظرا لتصور الرجل كذكر هائج على الدوام، على الجسد الأنثوي أن يقي نفسه من العنف بفضل الحجاب وبفضل الطاعة والاستجابة غير المشروطة. فالمرأة غير المحجبة وغير المطيعة لا يمكن أن تلوم إلا نفسها في حالة تعرضها إلى تعنيف، فهي، أبيسيا، المعتدية الحقيقية. إنها المستفزة الأولى. يتبين من هنا أن الأبيسية لا تطلب من الرجل أن يتحكم في غرائزه الجنسية والعدوانية لأن رجولته تكمن، بالنسبة للأبيسية، في تلك الغرائز بالضبط وفي التعبير الكلي عنها.

في إطار هذا المنظور الذي يعتبر العنف محمولاً بنيوياً في الذات الأبيسية، أي الذي يجعل من أطروحة “الأبيسية عنف ضد المرأة” تحصيل حاصل، نشأ اعتقاد اجتماعي مفاده أن ضرب المرأة تعبير مباشر عن الرجولة وعن الفحولة، لأنه لا يترك للمرأة مجالا لمقاومة سيادة الرجل (بدنيا). وتحول الضرب من هنا في نفسية الكائن الأبيسي إلى وسيلة شبه مؤسساتية يوظفها الرجل في سبيل إغراء المرأة حيث يتداخل مع العنف الجنسي والجنسانية القوية. إنها سيكولوجيا أبيسية ترى في المرأة كائنة مازوخية (بالنظر إلى أنوثتها البيولوجية) تتلذذ بالتعذب وتستسيغه، وترى في الرجل كائناً سادياً يتلذذ بالتعذيب، استناداً على ذكورته. إنها سيكولوجيا بلغت ذروتها الأبيسية مع التحليل النفسي الفرويدي الذي يقر بأن مازوخية المرأة تتجلي في أنها: “تؤكل” (إحالة على المرحلة الفمية)، و”تضرب” (إحالة على المرحلة الشرجية)، و”تخصى” (إحالة على المرحلة القضيبية). أما في المرحلة التناسلية (génitale)، فهي توطأ وتغتصب. وفي كل هذه الحالات، تكون المرأة مجرد أنثى مفعول بها. لذا تشكل المازوخية “تعبيرا عن كينونة المرأة” في نظر فرويد، فهي التجسيد الأمثل لمفعوليتها وسلبيتها (في مقابل فاعلية الرجل وساديته، وسيادته).

خلاصة القول، يظهر العنف الرجالي، من خلال قراءة سيكولوجية و/أو قانونية، بمثابة ظاهرة مرضية أو إجرامية خاصة ببعض الرجال، وهي الظاهرة التي تعكس اهتزازا في الشخصية. فالرجل يلجأ إلى العنف لأنه يعجز عن بلوغ أهدافه بوسائل سلمية و/أو شرعية.

أما القراءة الثانية، النقدية البنائية، فترى في العنف الرجالي ظاهرة بنيوية ومهيكلة للنسق الأبيسي الذي ينظم المجتمع على أساس العنف الرجالي ضد النساء. وهو نسق يضمن السيطرة الاقتصادية والامتيازات القانونية والسلطة للرجال. وفي الكثير من الحالات، تتعزز السيطرة الرجالية بشرعية دينية مقدسة لا تتصور المساواة بين الجنسين ولا تقبلها (في الحقوق والواجبات). وهو ما يجعل من محاربة العنف الرجالي مهمة شبه مستحيلة إذا لم تتم إعادة النظر في الأبيسية القائلة بأفضلية الرجال وفي الدين المضفي شرعية قدسية على تلك الأفضلية. من هنا، يتبدى أن محاربة العنف الرجالي تمر أولاً من محاربة المتغير المستقل المحدد، وهي المسلمة بأفضلية الرجل وسيادته.

إن الأسباب السيكولوجية والفردية تحجب الطبيعة الحقيقية للعنف الرجالي كتعبير أمثل عن الرجولة كما تعرفها الأبيسية. من ثم، تبدو الأسباب السيكولوجية الفردية ثانوية أمام السبب الهيكلي الذي يرى في العنف الرجالي صفة مؤسسة للرجولة ومحددة للعلاقة بين الجنسين.

4) استراتيجية محاربة العنف ضد النساء:

إن العنف الرجالي يعبر عن نسق أبيسي أصبح اليوم عائقا بنيوبا في وجه التنمية. فتكلفة العنف باهظة الثمن على كل الأصعدة، الاقتصادي والصحي والاجتماعي والنفسي… وبالتالي بات من الضروري محاربة العنف ضد النساء. وبما أن الرجل طرف “فاعل” في الظاهرة، فهو بالضرورة طرف في الحل. لا حل للعنف ضد النساء دون مساهمة الرجال. لذا أصبح من الضروري إشراك الرجال في كل التدابير التي يجب اتخاذها في هذا الشأن. ونود هنا اقتراح التمييز بين تدابير استعجالية، وتدابير على الأمد المتوسط، ثم تدابير على الأمد البعيد.

التدابير الاستعجالية:

أول تدبير، التوقف عن استغلال الدين لتبرير العنف الزوجي، أي التوقف عن العمل بالآية المذكورة أعلاه. فمدونة الأسرة المغربية مثلاً توقفت عن استعمال مصطلح الطاعة لتوصيف العلاقة بين الزوجين. إنها القراءة الحداثية المساواتية بين الزوجين، والتي ترفض أيضاً مصطلحي نشوز الزوجة وضرب الزوج لزوجته من جراء نشوزها. في ذلك التوقف اجتهاد وضع بنداً أساسياً من شريعة مسلم القرن الواحد والعشرين، وهو بند ملائم لروح القرآن ومقصده من جهة ولاتفاقية “محاربة كل أشكال التمييز ضد النساء” من جهة أخرى. آن الأوان للتوقف عن الحرفية النصية، آن الأوان للاجتهاد رغم وجود النص الصريح، آن الأوان لوضع شروط جديدة للتعامل مع النص الديني (إذا قررنا الاحتفاظ بذلك النص كأحد مصادر التشريع).

ثاني تدبير هو إشهار الترابط الضعيف الموجود بين العنف الرجالي وبعض أشكال المرض النفسي أو العقلي، أي مع التنصيص على أن العنف ليس اضطراباً سلوكياً في معظم الحالات وأن الرجل العنيف لا يمكن أن يتذرع بالمرض من أجل الإفلات من العقاب. لا بد من حملات إشهارية تبين أن قوة الشخصية لا تكمن في العنف وأن الفحولة لا تعبر عن نفسها بفضل العنف ومن خلاله. إن القوة الجسدية يجب ألا تستغل كوسيلة إقناع أو عقاب أو انتقام أو ردع النساء.

ثالث تدبير ينبغي القيام به هو متابعة الرجل المعنف وتجريمه وإنزال أشد العقوبات به. في هذا الصدد، لا بد من تسهيل وسائل الإثبات، ولا بد من تكوين مهنيي الشرطة والقضاء، الرجال منهم على الخصوص، حتى لا يعملوا موروثهم الأبيسي في إدراكهم وتقييمهم للعنف الرجالي. في نفس السياق، يتوجب إقناع الرجل المعنف بأن العنف جرم وبأن الاعتراف بالجرم نبل. فتحمل مسؤولية العنف/الجرم مؤشر على الرجولة في معناها الإيجابي والنبيل. ومن المستحسن أيضا إشهار خاص للعقوبات التي تطال الرجل المعنف حتى يصبح نموذجاً رادعاً للرجال الآخرين (المعنفين بالقوة بالمعنى الأرسطي).

رابع تدبير يكمن في تأسيس جمعيات تعنى بتحسيس الرجال المعنفين ضد العنف، بإقناعهم بمسؤوليتهم، وبإعادة تربيتهم.

خامس تدبير يكمن في تأسيس جوائز سنوية، شرفية ومالية، للرجل غير العنيف (ضد المرأة) حتى يكون قدوة للآخرين وتحفيزا على التعامل مع المرأة دون عنف. وعلى السلطات العمومية أن تكون السباقة والقدوة في هذا المجال لأن محاربة العنف ضد النساء تدخل اليوم في السياسات العمومية.

التدابير على الأمد المتوسط:

أول تدبير يكمن في تكوين الرجال، والنساء أيضا، في الصحة الجنسية والإنجابية، وهي التربية التي تبين أن جسد المرأة ملك لها وحدها وأن إكراهه على الوطء فعل غير مشروع ولو في إطار العقد الزوجي. فالجسد حرمة، إنه الحرمة الأخيرة في نهاية المطاف. خارج إطار الزواج، لا تكمن الرجولة في استغلال القوة البدنية أو النفوذ أو المال من أجل اقتناص المتعة الجنسية أو من أجل تحويل جسد المرأة إلى بضاعة تجارية. على الرجل أن يعي هنا أن من شروط المتعة الجنسية القبول والمشاركة بين طرفين راشدين راضيين.

ثاني تدبير هو تربية الرجال على الاعتراف بحق المرأة في التواجد في الفضاء العمومي (بالمساواة مع الرجل). وبالتالي على الرجل أن ينتهي من اعتبار المجال العام ملكية خاصة به وأن يتوقف عن النظر إلى تواجد النساء به كظاهرة شاذة أو كسلوك مشروط بوضع حجاب أو نقاب. بتعبير آخر، لا بد من إقناع الرجل بمبدأ حرية اللباس، أي بعدم مشروعية اتهام المرأة بأنها المستفزة من خلال لباس مستفز.

ثالث تدبير هو الاقتناع بأن عمل المرأة في البيت مساهمة في النفقة وفي إنماء دخل الأسرة. ثم العمل على إشاعة هذه القناعة في كل الأوساط من خلال البرامج التربوية والثقافية والإعلامية.

التدابير على الأمد البعيد:

يمكن تلخيصها في ضرورة محاربة أسس وتمظهرات الأبيسية في كل أشكالها. أهم شيء هنا هو وضع قواعد جديدة لتنشئة جديدة تسعى إلى إنتاج رجولة جديدة بمواصفات جديدة. طبعاً في هذا الإطار، لا بد من التوقف عن إدراك الرجولة كتفوق، كأفضلية، مما يعني أن الاختلاف البيولوجي بين الذكر والأنثى لا يتعارض مع مبدأ المساواة في الحقوق بينهما. فالإيمان بالمساواة بين الجنسين رغم اختلافهما هو العامل المحوري في تقويض الأبيسية وفي إيقاف العنف الملازم لها. لا بد إذن من التحرر من الإكليشهات والأفكار المسبقة عن الرجولة وعن الأنوثة، وهي عناصر أنتجتها الأبيسية وتعضد بدورها الأبيسية. من الإكليشهات الأبيسية الخطيرة، ربط الرجولة بالقوة البدنية، بتوظيف تلك القوة في علاقة عنيفة ضد المرأة، إدراك العنف ضد المرأة كأمر طبيعي. بتعبير آخر، يكمن الرهان في التحرر من التعريف الأبيسي للرجولة وفي إعادة تعريفها وفي التوجه نحو رجولة جديدة مفادها أن الرجل الحقيقي هو الرجل غير العنيف ضد النساء. إن العنف الذي يعبر عن غريزة الموت وعن العدوانية عليه أن يصرف في النشاط الرياضي أو في التسامي الإبداعي. أما تصريفه ضد المرأة، فهو سلوك حيواني، بدائي، ومتخلف، ولو وجد له تبريرات “سماوية”. لا يشكل العنف مكونا أساسيا في هوية الرجل الجديد الذي تحتاجه المجتمعات الحداثية الحقيقية. في ظل هذه المجتمعات، يصبح العنف ضد النساء نشازا ونقيضا للرجولة الحقيقية. إن الرجل الجديد يشارك في الأشغال المنزلية وفي العناية بالأطفال دون أن ينعكس ذلك سلبا على فحولته. وتعني تلك المساهمة تحريرا تدريجيا للرجال من المجال العام وتحريرا تدريجيا للنساء من المجال الخاص، أي إعادة النظر في التقسيم الجنسي للعمل في نهاية المطاف. إنه عقد اجتماعي جديد بين النساء والرجال.

خاتمة:

من النتائج الأساسية لهذه الورقة أن العنف الرجالي ميزة تهم كل الرجال. فما يجمع بين الرجال المعنفين كونهم رجالا، بمعنى أن العنف الرجالي يتواجد عند العمال وعند الأطر العليا، وسط النخب وفي الأوساط الشعبية. فكلما كانت تبعية امرأة لرجل كبيرة، كلما ازدادت حظوظ تعرضها للعنف، وذلك بغض النظر عن الانتماء الطبقي أو الإثني أو الطائفي… إن العنف وسيلة للتعبير عن السلطة الرجالية وآلية مؤسساتية للحفاظ على السلطة وعلى الامتيازات المصاحبة لها.

من هنا، لا بد من التمييز بين العنف الرجالي واللاعنف الرجولي. مفاده أن العنف ضد النساء يميز أغلبية الرجال في كل مجتمع أبيسي بل ويؤسس الرجولة في معناها الأبيسي. أما اللاعنف الرجولي، فهو رهان الحداثة، إنه التوجه نحو رجولة دون عنف، نحو رجولة حداثية نعتبرها نهاية لتاريخ الصراع بين الجنسين. وما دامت كل المجتمعات تعرف ظاهرة العنف ضد النساء، بما فيها المجتمعات الغربية، فإنها لم تكمل حداثتها بعد. إن الحداثة المكتملة تتعارض والعنف ضد النساء.

عن موقع الأوان